الشاي في قعر السفينة… أم العرق في قعر الوطن؟

سيرينا جمال دملج

إعلامية وكاتبة صحفية

عن المقاومات التي تاهت بين براءة التاريخ وبذاءة التكرار، أتذكّر دائمًا ما كان يرويه لي أبي عن حكاية الشاي الإنجليزي الذي لم يكن يومًا مجرّد شرابٍ في ذاكرة الشعوب. ففي بوسطن، حين رُميت حمولته من على ظهر السفينة إلى قاع البحر، لم يكن المستهدَف تلك الأوراق المتخمّرة بقدر ما كان تقويض رمزٍ يتجاوز الطقس اليومي إلى الهيمنة الثقافية والسياسية.

أتذكّر تمامًا سرديّات أبي عن زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما اصطحبه صديقه صافي قشمر، اللبناني الأصل، في جولة على معلَم الثورة الأميركية. في عينيه، كما في عيني أبي، سُجِّل بريق فخر غامض، كأنّ الفعل المقاوم – حتى وإن لم يكن من وطنه الأم – يخصّه بقدر ما يخصّ أحفاد المستعمرات القديمة.

كان مشهد التمرد الأميركي، المنظم بعناية خجولة لا تخلو من لياقة، يروي سيرة مقاومةٍ شُربت على مهل، كما يُشرب الشاي الإنجليزي… ساخنة، هادئة، وأحيانًا مرّة الطعم، لكنها دائمًا صادقة في أهدافها، واضحة في أفقها: الاستقلال لا الاستعراض، السيادة لا السبابة.

أما نحن، المتحدّرون من سُلالات الأنبياء والمرسلين في المشرق، فقد أفرطنا في صبّ الشاي. بل واستبدلناه بالعرق أحيانًا، تلبية لاحتياجات الكيف النضالي. صرنا نقاوم كي نُثبت وجودنا على ركام دولة فقدت معناها، أو لنقل أُفرغت من معناها في زحمة شعاراتٍ بلا مرجعية، وطقوسٍ بلا أفق. صرنا نقاوم، لا من أجل التحرير، بل لنُبقي السلاح في أيدينا، كأنّ بقاء السلاح بات أثمن من بقاء الوطن.

وكم هو مفجع أن تتساقط الرمزيّات الدينية في خضمّ تلك المتاهة. فقد تسرّبت، كالدخان من زجاجةٍ مهشّمة، إلى صلب الخطاب المقاوم، فأفرغته من إنسانيّته، وأحاطته بهالة “إلياذية” مصطنعة، لا تليق إلّا بأولئك الذين ينتظرون الخلاص من السماء فيما هم يغرقون في وحل الأرض.

هل يمكن أن نعيد تعريف “المقاومة” في لبنان؟ سألتُ أبي بعفوية صادقة فأجاب بعفوية أصدق قائلًا:

في وطنٍ لا تزيد مساحته عن 10484 كيلومترًا مربعًا، يصبح كل متر مربع فيه حلبةً لتصفية الحسابات الإقليمية، ومسرحًا لتجريب العقائد، بل ومنصة لتذوّق الكافيار، الإيراني حينًا، والتركي أحيانًا، لا على موائد السلطة فحسب، بل في مواخير الإعلام الموجّه والفتاوى المعلّبة.

لبنان… ذاك الحيّز الصغير، المزدحم بالمفارقات، حيث يُشرب الشاي الإنجليزي بنكهة العرق المحلّي، ويضيع شعار “أمّنا فرنسا” في غمرة البحث عن رغيف “كارليك برد” في مطاعم بيروت، بينما يُروَّج للكافيار الشيعي والسُني في حرب مذاقات لا تُشبه إلّا حرب الخناجر على مائدة متصدّعة.

فمتى يكفّ اللبنانيون عن مقاومةٍ لم تعد تقاوم سوى احتمال قيام الدولة؟ نعم، ربما آن الأوان لطرح سؤال جوهري: هل نبني وطنًا نُرسل منه الرسائل، أم نبقى صندوق بريدٍ يتلقّى رسائل الآخرين؟

هل نشيّد الدولة – الرسالة، أم نبقى رهائن في دويلةٍ – القصد منها فقط ترجمة البرقيات الواردة من طهران أو أنقرة أو باريس أو واشنطن، كلٌّ بحسب “مذاق مقاومته”؟

إنّ المقاومة الحقيقية لا تُقاس بعدد الرصاصات، بل بعدد المرات التي قلنا فيها “لا” للذُل، “نعم” للحرية، “كفى” لفساد الذهنية، و”آن الأوان” لبناء الوطن.

فلنُسقط في البحر كلّ شايٍ فاسد. ولنُنزل من على المراكب كلّ من حوّل المقاومة إلى مشروع حياة خاص. علّنا بذلك نمنح الـ10484 كيلومترًا مربعًا فرصةً جديدة ليكون أكثر من وطن: ليكون رسالة… والخير دائمًا – كما يقول أبي دائمًا – من وراء القصد!

Leave a comment