جمال دملج
سلامُنا بوست
فيما يستعدّ المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس بارّاك، للعودة إلى بيروت الأسبوع المقبل، تتّجه الأنظار مجددًا إلى واحدة من أعقد المعضلات اللبنانية وأكثرها حساسية: مسألة سلاح حزب الله.
الزيارة المرتقبة تأتي في سياق سلسلة مشاورات دبلوماسية دولية وإقليمية تزداد سخونتها خلف الكواليس، لتتزامن مع تصاعد الحديث عن انفتاح غير معلن بين دمشق وتل أبيب، وسط تسريبات عن ملامح مشروع “تطبيع تدريجي” يربط المسار السوري بإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
لبنان… ساحة رمادية بين ضغوط الداخل والخارج
منذ نهاية حرب تموز 2006، بقي ملفّ نزع سلاح حزب الله يتأرجح بين نصوص القرار 1701، ومفردات “التفاهم الوطني”، ومقتضيات “الردع المقاوم”، دون أن يتمكّن أي طرف داخلي أو خارجي من فرض مقاربة حاسمة أو فتح النقاش من موقع الندّية.
لكنّ الأسابيع الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في المقاربات الدولية، خصوصًا بعد الانخراط الفعّال للولايات المتحدة في تهدئة الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، ونجاح واشنطن، ولو مؤقتًا، في إبعاد شبح الحرب الشاملة عبر خط المفاوضات غير المباشرة.
في هذا السياق، تبرز زيارة بارّاك كخطوة متقدّمة لا تهدف فقط إلى تثبيت الهدنة شمالًا، بل إلى استطلاع الموقف الرسمي اللبناني حول ما بات يُطرح بوضوح في غرف القرار الغربية: هل لا يزال لبنان قادرًا على أن يُمسك بورقة الشرعية الدولية… أم أنّ سلاح حزب الله بات يُهدّد هيبة تلك الشرعية ذاتها؟
سوريا في الصورة… من البوابة الإسرائيلية
في موازاة هذا الحراك، تتكثّف الإشارات حول تواصل سري مستجدّ بين سوريا وإسرائيل، برعاية أطراف غربية وعربية على السواء.
الحديث لا يدور بعد عن اتفاق سلام على غرار النموذج الأردني أو الإماراتي، بل عن تطبيع تدريجي تحت مظلة “إعادة التموضع السوري” و”ضمانات أمنية” متبادلة، تمهّد لعودة دمشق إلى بعض المحافل الإقليمية والدولية من دون حرج.
لكنّ هذه التطورات قد تحمل مفاجآت غير متوقّعة للبنان.
فإذا قررت دمشق الانخراط فعلًا في مسار تطبيعي محسوب، واصطدمت هذه الدينامية برفض حزب الله لأيّ تقارب مع إسرائيل، فقد نجد أنفسنا أمام مشهد استثنائي: محور دمشق – تل أبيب الناشئ في مواجهة حزب الله، ولو ضمنيًّا، في الداخل اللبناني.
وهنا يُطرح سؤال بالغ الدقّة: إذا ما طُلب من سوريا أن تُساهم، سياسيًا أو أمنيًا أو حتى عسكريًا، في كبح تمدّد الحزب أو تحجيم دوره خارج المعادلة “الردعية”، فهل ستتردّد في ذلك؟ أم أن المصلحة السورية الجديدة قد تدفعها إلى اتخاذ مواقف تُحرج الحزب على أرض لبنان؟
لبنان والشرعية الدولية… بين المطرقة والسندان
ما يزيد من تعقيد الصورة أنّ الشرعية اللبنانية بدأت تفقد تدريجيًا أدوات الفعل والتأثير على مستوى التعاطي مع المجتمع الدولي. فبين رئاسة جمهورية شاغرة، ومن ثمّ كاملة المواصفات، وحكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، من ثمّ كاملة الدسم، ومجلس نيابي مقسوم بين محاور متناقضة، لم يعد للسلطة المركزية القدرة على تقديم “رؤية موحّدة” بشأن الملفات الكبرى، وفي مقدّمتها سلاح حزب الله.
وهذا ما يثير القلق في أروقة القرار الغربي، حيث تسود قناعة متنامية بأن استمرار الوضع على ما هو عليه سيجعل من حزب الله “حاكمًا فعليًا” للدولة، مقابل “دولة رمزية” فقدت قدرتها على التفاوض باسم اللبنانيين.
سلاح الحزب… من قضية داخلية إلى مسألة إقليمية
ربما للمرة الأولى منذ العام 2005، يعود ملفّ سلاح حزب الله إلى الطاولة من بوّابة التوازنات الإقليمية وليس فقط من خلال اشتباك داخلي تقليدي. وإذا صحّت المؤشرات حول تقارب سوري – إسرائيلي ووساطة أميركية فاعلة لتقليص النفوذ الإيراني على الحدود الجنوبية، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام ضغوط غير مسبوقة: من جهة، رفض داخلي متصاعد لاستمرار السلاح خارج الدولة. ومن جهة أخرى، بيئة إقليمية تتغيّر بوتيرة سريعة، ولا تتّسع إلا لمن يعيد تعريف نفسه ضمن قواعد جديدة للّعبة.
إلى أين؟ لبنان على عتبة مراجعة شاملة
الأسئلة الآن أكثر من الأجوبة، لكن ما يبدو واضحًا هو أن لبنان مقبل على لحظة مراجعة شاملة. فالانكفاء عن النقاش الجاد بشأن استراتيجية دفاعية شاملة لم يعد ممكنًا. والرهان على الزمن لم يعد كافيًا. والموقع الرمادي بين محور الممانعة والمجتمع الدولي لم يعد يحتمل التأجيل.
قد لا تُنتج زيارة بارّاك اختراقًا مباشرًا، لكنّها بالتأكيد ستفتح الباب واسعًا أمام مرحلة جديدة من الضغوط، والتسويات، وربما الاصطفافات المفاجئة.
وسيبقى السؤال الأهم: هل يملك لبنان بعد كل هذا الإرث من الانقسام والرهانات، القدرة على أن يُمسك بمصيره، دون أن يُدفع ثمنًا لمعادلات الآخرين؟
في انتظار الإجابات، تبقى الحقيقة الوحيدة أن “السلام” في لبنان لن يتحقق من دون جرأة على مواجهة الذات… وسلامُنا بوست وُجد ليكون شاهدًا على تلك المواجهة.

Leave a comment