لبنان وحزب الله: لكي لا تُدرج الانتصارات في أدبيّات الديناصورات

جمال دملج

إعلامي وكاتب لبناني

ثمة لحظات في حياة الأمم تتشابه مع نداءات الغريزة الأخيرة لدى الكائنات المنقرضة، تلك التي تظنّ أن هدير الزمن مجرّد عاصفة عابرة. ولعلّ حزب الله، كما يبدو في تمسّكه بسلاحه اليوم، يُعيد صياغة “انتصاراته” على نحو يجعلها قاب قوسين من أن تُدرج في أرشيف الذاكرة، لا بوصفها بطولات مجيدة، بل باعتبارها محطات فائتة لم تُدرك تحوّلات العصر.

ففي لبنان الذي يضيق بجراحه، ويئنّ من فراغ دولته، جاءت الدعوات الأخيرة، الصادرة عن شخصيات كفيصل كرامي وجبران باسيل ووليد جنبلاط، بمثابة أجراس نُذُر، لا صيحات خصومة. إنهم لم يقولوا: “سلّم سلاحك لأننا نرفضك”، بل قالوا: “سلّمه لأنك منا… ولأنك قد تغدو ضدنا، من حيث لا تدري”.

البدايات: حين كانت الظلال هي الوطن

في ثمانينيات القرن الماضي، خرج الحزب من رحم لحظة مضطربة. لكنه لم يُولد في كنف الدولة، بل وُلد في الممرات الجانبية، في الأزقة، وتحت أقبية السرّ، حيث ساد منطق الخطف بدل الحوار، والرهائن بدل البيانات. كان تيري أندرسون وتيري وايت وغيرهما شهودًا على ميلاد مشروع آثر الغموض على الوضوح، والانتماء إلى الخارج على الاندراج في الداخل.

البوسنة: الرصاص الذي ضلّ البوصلة

ثم جاءت البوسنة. سافر رجال الحزب لنصرة علي عزّت بيغوفيتش، في حرب معقّدة تتشابك فيها المظلومية الإسلامية مع المصالح الأميركية. لم يكن ثمة وضوح في الاصطفاف، ولا في الرؤية. ذهبوا ليحاربوا “عدوًّا” يخدم بقاء يوغوسلافيا الموحّدة، في لحظة كان العالم فيها يتفكك، وكان الحزب، من دون أن يدري، جزءًا من ذلك التفكيك.

فرصة لوبراني التي لم تُلتقط

عام 1996، أعلن أوري لوبراني، منسّق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، استعداد إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان تنفيذًا للقرار 425. لكن الحزب لم يُصغِ. كان بإمكانه أن يمنح الدولة ما تستحقه، أن يضع النصر في يدها، لا أن يحتكره ويُقصي الجميع. وهكذا، حين خرج الاحتلال في 2000، لم يكن العيد عيدًا وطنيًا جامعًا، بل احتفالًا حزبيًا خاصًا، نُظّم على أنقاض فرصة ضائعة.

حرب 2006: “لو كنتُ أعلم”…

وفي تموز 2006، أطلق الحزب عملية أسر جنديين إسرائيليين، فاندلعت حرب أحرقت الحجر والبشر. ثم جاء الاعتراف المتأخر: “لو كنتُ أعلم…” قالها الأمين العام للحزب. جملة اختزلت الندم، وأعادت طرح السؤال القديم الجديد: من يملك قرار الحرب في لبنان؟ من يوقّع باسم الموت؟ ومن يسكن في منأى عن المحاسبة؟

حرب غزة 2023: عزاء الخسائر الثقيلة

في العام 2023، سارت جبهة الجنوب باتجاه لم يعد يحتمل التأويل. شارك الحزب في معركة “إسناد غزة”، لكنه خسر أغلى ما عنده: قياداته من الصف الأول، والثاني، والثالث، والرابع. لم يتوقف ليتأمل الثمن. لم يصغِ إلى صوت التريث. واليوم، يأتيه النداء من الشمال والوسط والجنوب: كفى. سلّم ما تبقى، لأنك لم تعُد تملك ترف الخسارة.

أزمة انتماء: حين تضيق الأرض

المشكلة لم تكن يومًا في السلاح، بل في وجهته. وفي ولاءٍ يتخطى تراب لبنان إلى تراب آخر. الحزب لا يزال يتصرّف كأنه امتداد لمشروع لا يعترف بحدود، ولا يوقّر دولة. وأيّ مقاومة هذه التي ترفض الاعتراف بمسؤولية الدولة، وتنازعها على شرعية السلاح، وتحيا فوق أنقاض مؤسساتها؟

لبنان: جغرافيا مأزومة وعقل ملوّث

لبنان، هذا الوطن الصغير بجراحه الكبيرة، لم يُقدّر له أن يعيش سيادته يومًا. شماله وشرقه مكشوفان للتدخلات السورية، جنوبه مشرّع للتجاذبات الإسرائيلية، حتى بحره… صار مسمومًا، تفرّ منه الأسماك إلى قبرص، وكأنها تفرّ من هرطقات قومها. واللبنانيون أنفسهم، بأساطيرهم وخرائط ولاءاتهم، صاروا أدوات تلوث لا أدوات تطهير.

خلاصة: أن تكون وطنيًا… أو لا تكون

الزمن ليس في صالح أحد. ومن يظنّ أنّ الاستقواء بالتاريخ يُكسبه شرعية الحاضر، فهو لا يفهم أنّ الديناصورات، رغم عظمتها، اندثرت لأنها لم تتكيّف. حزب الله مدعوّ إلى أن يختار: إما أن يعود إلى كنف الدولة، ويسلّم سلاحه طواعية، ويصوغ مستقبله بلغة الوطن، أو أن يستمر في السير عكس التيار… حتى يأكله التيار.

ولكي لا تُدرج الانتصارات في أدبيات الديناصورات، لا بدّ من الإصغاء لصوت العقل، والاعتراف بأن البطولة ليست في عدد البنادق، بل في التوقيت النبيل لتسليمها.

Leave a comment