“نفتالين الوطن”… رحلة مفاجئة إلى قلب العرس المؤجل في لبنان

سيرينا جمال دملج

إعلامية وكاتبة صحفية

حين حطّت الطائرة في مطار بيروت، أحسستُ كأنّي أهبط من سماءٍ غائمة إلى حضن قصيدةٍ قديمة، تشقّقت أبياتها تحت وطأة الزمن، لكنها لا تزال تنبض بالحياة. لبنان، هذا البلد الذي طالما قرأتُ عنه كأنّه شذى بعيد في كتب والدي، بدا لي فجأة ككائن أسطوري ينهض من تحت رماد القصص ليهمس في أذني: “أهلًا بكِ في قلب العاصفة الهادئة”.

كانت الطبيعة فاتنة في أيار. أزهار البراري تتمايل على كتف الجبال كأساور على معصم عذراء، والبحر يغازل الشاطئ بلسانٍ أزرق لا يملّ التكرار. تسلّلتُ إلى القرى الجبلية، وشربتُ القهوة على شرفة تطلّ على صيدا، وقرأتُ “مئة عام من العزلة” من جديد، لكن هذه المرّة بعينٍ لبنانية، أو ربما بروحٍ ترى في العائلة “البوينديانية” مرآةً دقيقة لبيت لبناني كبير اسمه الجمهورية.

تذكّرتُ أمارانتا، تلك الفتاة التي عاشت في الظل، محكومة بغيرةٍ خرساء. أحبّت مدرّس الموسيقى الإيطالي بيترو كريسبي، لكنها لم تصارح. وحين تقدّم لخطبة أختها غير الشقيقة روبيكا، لم تصرخ، لم تحتجّ، بل دسّت يدها في الصندوق الخشبي، وسحبت حبات النفتالين. تركت فستان العرس طعامًا للعثّ، وزرعت الشكّ في القلوب والوقت في غير أوانه.

في طريقي من بيروت إلى البقاع، ومن جبل لبنان إلى طرابلس، رأيتُ كثيرين يشبهون روبيكا — متفائلين، مستعدين للعرس، يحلمون بوطنٍ يشبه بيتًا أبيض على تلة. لكنني، أيضًا، رأيت أمارانتا تتجسّد في السياسة، في الشارع، في المقاهي، وفي مكاتب القرار.

ولعلّ أصدق تجلٍّ لأمارانتا في هذا المشهد هو “حزب الله”. لا لأنه لا يحب لبنان، بل لأنه يحبه على طريقته — بعيني الغيرة ويد التعطيل. الحزب الذي يُتقن انتقاء اللحظة ليعيد ترتيب الزمن، كمن يسحب النفتالين من ثوب العرس ثم يتّهم الآخرين بأنهم لم يجهّزوا القاعة بما يكفي من الأزهار.

وصل العماد جوزاف عون إلى سدة الرئاسة، وبدت البلاد كأنها على وشك أن تقيم عرس الدولة المنتظر منذ عقود. فجرٌ خافت، لكنه فجرٌ على أية حال. شموع بدأت تضاء، وعزف خافت يتسلل من نوافذ المستقبل. ولكن، على عتبة هذا الزفاف الرمزي، تنحني أمارانتا من جديد، تغمز للعثّ، وتقول له: “هيا، فالنسيج هشّ، والدولة لا تزال حلمًا يرتدي فستانًا باليًا”.

لبنان، يا أحبتي، ليس بلدًا ميتًا كما يظنه بعضهم. هو ببساطة رواية تُكتَب من جديد كلما ظنّ الكاتب أنه كتب السطر الأخير. بلدٌ يختبرك كما تختبرك الأساطير — يبتسم لك فيما يشحذ سكين المفاجأة. إنه وطنٌ يريد أن يكون، لكنه محاطٌ بأولئك الذين يحبونه إلى حدّ إفشاله.

عدتُ من رحلتي، وقد علّق قلبي بين دفّتي كتاب، وصفحات صحف، وعيون ناسٍ لا يشبهون بعضهم إلّا في انتظارهم لشيء ما، يشبه الخلاص، يشبه الفرح المؤجّل، أو العرس المؤجل… الذي تظلّ أمارانتا تحرص على ألّا يُقام.

Leave a comment