بقلم: سيرينا مارغيلوفا – سلامُنا بوست
في الشرق الأوسط، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، وتتصارع المصالح مع الرموز، لا تسيرُ الوقائع على خطوط مستقيمة. وحين يتعلّق الأمر بتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، فإنّ كلّ شيء يبدو أقرب إلى الرمال المتحرّكة منه إلى المسارات الدبلوماسية التقليدية.
لقد شكّل الهجوم الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من حربٍ شعواء في غزة، نقطة تحوّل حاسمة في التوازنات الإقليمية. فما قبل الحرب ليس كما بعدها، لا في تل أبيب، ولا في الرياض، ولا في واشنطن، ولا حتى في طهران.
الرياض تُعيد ضبط البوصلة
قبل اندلاع تلك الحرب، كانت المملكة العربية السعودية على مشارف إنجازٍ يُصنّف “تاريخيًا”: تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مقابل مظلة أمنية أميركية تتضمّن معاهدة دفاع مشترك.
صفقة كان من شأنها أن تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وأن تُنهي حالة التردد السعودي المزمن إزاء الانخراط في اتفاقيات “أبراهام” التي سبق أن وُقّعت عام 2020 بين إسرائيل وكلّ من الإمارات والبحرين.
لكن الحرب في غزة، وما رافقها من مشاهد القصف الهمجي والضحايا المدنيين، أعادت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى معادلات مختلفة.
المملكة التي حاولت، منذ سنوات، أن ترسم لنفسها صورة “الوسيط الإصلاحي”، وجدت نفسها مُحاصَرة بصور الإبادة في غزة، وغضب الشارع العربي، والضغط الشعبي الداخلي، وخسارة “الرمزية الإسلامية” إذا أقدمت على أي تقارب مع تل أبيب في هذه اللحظة.
هل أصبح نتنياهو بلا شريك؟
في تصريح قد يبدو مربكًا، قال بنيامين نتنياهو مؤخرًا: “دعوني أتعامل مع السعودية… صدّقوني، أنا لا أفكّر في السلام فحسب، بل أعمل عليه فعلًا”.
لكن ما لم يقله رئيس الوزراء الإسرائيلي هو أنّ الطرف الآخر تغيّر. فالسعودية التي كانت، حتى أسابيع قليلة مضت، منفتحة على شروط التطبيع، باتت اليوم أكثر حذرًا. لا بل وأكثر ميلًا إلى تعزيز علاقاتها مع إيران، العدوّ التقليدي، بدلاً من الانفتاح على شريك يُنظر إليه في الرياض، وفق تعبير مصادر دبلوماسية، باعتباره “قوة مزعزعة للاستقرار”، لا سيما بعد اتّساع رقعة الحرب الإسرائيلية – الإيرانية غير المعلنة.
تطبيع مشروط… أو لا تطبيع
بحسب ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز، فإنّ القيادة السعودية باتت تشترط بشكل واضح: وقف إطلاق النار في غزة وخطوات ملموسة نحو قيام دولة فلسطينية، وهي شروط تُعيد الخطاب السعودي إلى مربع “المبادرة العربية” لعام 2002، وتُبعده عن الصيغة البراغماتية التي كانت تتّجه نحوها القيادة الجديدة.
في المقابل، تبدو واشنطن عاجزة عن إنتاج اختراق جديد، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال يعتبر السعودية “الجائزة الكبرى” في لعبة التطبيع، وقد عبّر مرارًا عن أمله في ضمّها إلى اتفاقيات أبراهام خلال ولايته الثانية.
طهران تدخل من الباب الأمامي
المفارقة اللافتة أنّ السعودية اختارت، في لحظة اشتعال جبهة غزة، أن تُفعّل اتفاقها مع إيران الذي تمّ التوصل إليه بوساطة صينية في مارس/آذار 2023.
منذ ذلك الحين، تتبادل الرياض وطهران الاتصالات والزيارات، وقد وصل الأمر إلى حدّ إجراء محادثة مباشرة بين وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ورئيس الأركان الإيراني عبد الرحيم موسوي، في ذروة التصعيد الإقليمي.
هذا الانفتاح لا يعني تحالفًا إستراتيجيًا، لكنه يُعبّر عن توجّه سعودي جديد قائم على ضبط التوترات في الخليج، والتقليل من الاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، خصوصًا بعد خيبة الرياض من ردّ الفعل الأميركي “الفاتر” على هجمات 2019 التي طالت منشآت أرامكو.
إسرائيل… هل تفكّر بخيارات بديلة؟
بينما تتعقّد فرص التطبيع مع السعودية، بدأت بعض الأوساط الإسرائيلية تطرح خيارًا آخر: اتفاق عدم قتال مع سوريا. خيارٌ يبدو غريبًا للوهلة الأولى، لكنه يُعبّر عن مرونة إسرائيلية براغماتية هدفها تطويق إيران من جبهات متعدّدة، ولو عبر بوابة “العدوّ القديم”.
في الوقت ذاته، تسعى تل أبيب إلى الحفاظ على علاقات غير معلنة مع بعض الدول الخليجية من خلال الاستثمارات والتكنولوجيا والدفاع السيبراني، ريثما تنضج الظروف السياسية.
السعودية ورفاهية التريّث
خلافًا للضغط الزمني الذي يواجهه ترامب في سعيه لتقديم إنجازات ملموسة، تبدو السعودية اليوم في وضع جيوسياسي مريح نسبيًا. فهي قادرة على التريّث، وممارسة لعبة التوازن بين إيران والولايات المتحدة، وبين إسرائيل والقضية الفلسطينية، وبين الداخل المحافظ والمصالح الاقتصادية العالمية.
وكما قال الباحث حسن الحسن: “السعوديون لا يواجهون ضغطًا زمنيًا… وهم في موقع يسمح لهم بعدم اتخاذ قرارات لا يرغبون بها”.
وفي الخلاصة، لقد غيّرت الحرب في غزة ملامح المشهد السياسي الإقليمي، وربما أعادت تصويب البوصلة السعودية تجاه مركزية القضية الفلسطينية في أي تطبيع محتمل.
وفيما يُعيد الشرق الأوسط ترتيب تحالفاته تحت دخان المعارك، يبدو أن الطريق إلى القدس – كما في السياسة – لا يمرّ فقط عبر وعود البيت الأبيض أو حسابات تل أبيب، بل أيضًا عبر صورة طفلٍ غزّي تحت الركام، يراقبه وليّ عهدٍ عربيّ بقلبٍ لم يعد يحتمل المزيد من الدماء.
- “نُشر هذا المقال على موقع سلامُنا بوست بإذن خاص من الكاتبة، سيرينا مارغيلوفا، المستشرقة الروسية والباحثة في شؤون الشرق الأوسط.”

Leave a comment