سلامُنا بوست – خاص: حين كتب جمال دملج، قبل عدّة سنوات، مقاله الشهير عن بوتين ونصائح هنري كيسنجر، لم يكن العالم قد بلغ بعد هذه الذروة من الغموض الجيوسياسي، ولا كانت الولايات المتحدة قد أعادت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. لكنّ إسقاطات ذلك المقال، اليوم، تبدو شديدة الواقعية مع تصريحات الرئيس الأميركي، أمس الإثنين، التي لمّح فيها إلى إمكانية فرض عقوبات أكثر “قسوة” على روسيا بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا.
لم يكن المقال القديم مجرّد سرد لتجربة بوتين الاستخباراتية ولا لتاريخ لقاءاته مع كيسنجر، بل كان دعوة ضمنية لإعادة النظر في جدوى إشعال الخصومة المستدامة بين واشنطن وموسكو. لقد أشار المقال إلى أن واشنطن تمادت في تبنّي أوكرانيا كورقة صراع، بدلًا من رؤيتها كجسر محتمل نحو توازن دولي أكثر استقرارًا. وهي رؤية كان كيسنجر، نفسه، من أبرز منظّريها حين كتب في “ناشيونال إنترست” عن الحاجة إلى دمج روسيا في المنظومة الأمنية الأوروبية، لا عزلها.
لكن ترامب، الذي كثيرًا ما راوغ في وصف علاقته ببوتين، ورفض مرارًا توجيه انتقادات حادة له خلال فترة ولايته الأولى، عاد هذه المرة بلغة تكاد تشبه تلك التي استخدمها سلفه بايدن. فهل تغيّرت قناعته؟ أم أنّها لغة اللحظة، لا أكثر؟
من اللافت أنّ ترامب لم يأتِ، في تصريحاته أمس، على ذكر الحوار أو الدبلوماسية، بل اكتفى بالتلويح بورقة العقوبات المشددة. وإذا ما وضعنا ذلك في سياق التحولات العميقة في المواقف الغربية من موسكو، سنجد أنفسنا أمام احتمال أن تكون نصائح كيسنجر قد تراجعت نهائيًا إلى الظل، أو على الأقل، أصبحت مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.
لقد أظهر المقال السابق أنّ جزءًا من مأساة العلاقات الروسية-الأميركية يعود إلى إصرار واشنطن على التعامل مع موسكو بوصفها الخطر الموروث من الحرب الباردة. وهذا الإصرار لا يزال مستمرًا، سواء بصيغة بايدن الليبرالية أم بصيغة ترامب الشعبوية.
اليوم، نحن أمام مشهد تتكثّف فيه الانفعالات أكثر من الحسابات. روسيا، التي ما زالت تراهن على أوراق التفوق الاستراتيجي، لا تجد في الخطاب الأميركي الجديد سوى إعادة إنتاج لمنطق العقاب. وأميركا، التي تستعيد سرديات الهيمنة من بوابة الديمقراطية، تسير على حدّ السيف بين الردع والتصعيد.
فهل فات الأوان على نصيحة كيسنجر؟ وهل يستطيع ترامب، إذا ما قرر فعليًا انتهاج سياسة أكثر عقلانية تجاه موسكو، أن يجد المساحة الزمنية والظرفية لذلك؟
ربما يكون الوقت قد تأخّر فعلًا. وربما نكون، كما كتب جمال دملج ذات يوم، أمام “شرّ لا بدّ منه”… إلّا إذا أدرك الزعماء أنّ السلام لا يُصنع على طاولة العقوبات بل على مائدة الإدراك المتبادل للمصالح والتاريخ والحساسيات الكبرى.
في النهاية، كما قال كيسنجر لبوتين قبل عقود: “كل المحترمين بدأوا عملهم في أجهزة المخابرات”… لكن السؤال الأهم اليوم هو: هل بقي في السياسة الدولية مَن يُحسن الإصغاء إلى نصائح الشيوخ؟

Leave a comment