كيف يصعد الإنسان من هوّة الشرّ إلى قمّة الخير في لبنان؟

جمال دملج – سلامُنا بوست

يؤخَذُ على الناس سقوطهم المدوّي، إن هم سقطوا بالفعل، في غمرة تشعّبات كُثبان الرمال المتحركة التي تُغرق الواحد منهم، أحيانًا، في جدليّات البحث عن الخير والشرّ في عالمٍ يكاد أن ينطوي على نفسه، في معظم الأحيان، محكومًا بنزعة البحث عن الخير والشرّ في سلوكيات حياته اليومية، فنجدُ مَن يشمتَ مِن هنا بذاك الذي سقط، رُغمًا عن اشتهاءاته النفسانية الطبيعية، من هناك، ونجد أنّ مزادات المضاربة في الحياة البشرية على الرهان ما بين الخيّرين وما بين الشرّيرين، ترتفع تارّة وتنخفض تارّة أخرى، مُسجّلة على إيقاع تذبذبات باروميتراتها نزعة التحدّي ما بين من يعتقدون أنهم خيّرون وما بين من لا يعتقدون أنهم شرّيرون، فتتأجّج المنافسة، ويصبح الصراع بين الطرفين، سواء بلغة التنافس أو بلغة الحروب التي تُزهق الدماء والأرواح، قدرًا لا بد منه.

غالبًا ما يأتينا، في غمرة هذا الصراع المتوارث أبًا عن جدٍ، أناس مرهفون، لكي يقولوا لنا إنّ المساحة ما بين الخير وما بين الشرّ ليست حلبة للصراع بل هي حديقة للتلاقي بين المتنافسين، بحيث يقول الواحد منهما للآخر: أنا أفهمك فهل تفهمني، على غرار ما قاله توم بارّاك للّبنانيين من قصر بعبدا في بيروت، أمس الإثنين، إنّ بلادكم كانت لؤلؤة الشرق الأوسط في زمان كانت فيه دبي وأبوظبي مجرّد رمال.

وإذا كانت الحروب الكبرى قد اندلعت يومًا من أجل عقيدة أو حدود أو ثروات، فإن الحروب الحديثة، بكل ما تحمله من أدوات ناعمة وصيحات نارية، لا تُشعلها سوى تأويلات باهتة لنيّات البشر، وتنازعهم على حيازة الحقيقة المطلقة، كأنّ الخير ملكٌ لهم وحدهم، والشرّ تهمة تُرمى على سواهم. كأنّ النفس البشرية، بعمقها وتراكم أوجاعها وتطلعاتها، يمكن أن تُختزل في محور أبيض أو أسود، بلا فسحة رمادية يُمكن أن تُبنى عليها جسور الفهم والتسامح والمصالحة.

من هنا، يُمكن لزائرٍ مثل توم بارّاك، الأميركي اللبناني الهوى، أن يرى ما لا يراه القاطنون في القلب من تعبهم المزمن. هو لم يأتِ ليُحرج أحدًا أو يُملي على أحد شروطًا مصلحيّة، بل أطلّ كصديقٍ قديم، حَفِظ عن بيروت نبضها وحنانها، ليُذكّر من نسي، أنّ اللؤلؤة لا تموت في الرمال، إنما تختبئ قليلًا، حتى تهدأ العواصف.

قال لهم، بلغة رجل الأعمال الذي قرأ العالم وذاق طعمه، إنّ لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى استعادة ذاته، وإلى أن يتجرّد ساسته، لمرة واحدة، من لباس القبائل والولاءات، وأن يواجهوا أنفسهم قبل أن يواجهوا العالم. فالسلاح الذي يُشهر بوجه الآخر بحجة “الحق”، سرعان ما يتحول إلى عبءٍ على صاحبه حين تفقد الحياة معناها، وتتحوّل السياسة إلى مناورةٍ للبقاء فقط، لا للبناء.

وفي سياقٍ لا يخلو من الرمزية، لم يكن حديث بارّاك عن أبوظبي ودبي مقصودًا على سبيل المقارنة المحرجة، بل على سبيل التحفيز. فالعواصم لا تُولد عظيمة، بل تُصنع على أيدي من قرّروا أن يُخضعوا الرمال لأحلامهم، لا أن يُغرقوا أنفسهم في رمال الماضي. وإذا كانت بيروت قد علّمت ذات يومٍ تلك المدن معنى الانفتاح والأناقة والترف الروحي، فإنها اليوم مطالبة بتعلّم درس البُعد الاستراتيجي والتخطيط طويل الأمد، علّها تعود، لا لتنافس، بل لتشارك في إعادة رسم خارطة الوعي في هذا الشرق المتعب.

ولعلّ أجمل ما يُمكن أن يُقال في ختام هذا المشهد، أنّ المسافة ما بين الخير والشرّ لا تُقاس بوحدات الحسابات السياسية، بل بنبض الإنسان، حين يختار أن يُنصت بدل أن يصرخ، وأن يُصغي للآخر بدل أن يقاطعه، وأن يمضي في طريق البناء، حتى لو كانت مفروشة بالشوك، على أمل أن يثمر هذا الشوك يومًا عن وردٍ جديد، يُنبت سلامًا.

Leave a comment