بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
يبدو أن سؤال “هل يمكن للسلام أن يتحقّق؟” لم يعد يُطرح على نحوٍ حالمٍ كما كان في منتصف القرن العشرين، بل صار اليوم محمّلًا بأعباء الواقعية المتشظّية، كأنما نحن نعيش في عصرٍ يطلب منّا ألّا نحلم كثيرًا، وأن نُحسن الظن بالحروب بدلًا من حسن الظن بالأمل.
لكن، ورغم سطوة العنف، هناك ما يُشبه النَفَس المقاوم في النفس البشرية، ما يُشبه الرجاء الفطري، الذي لا يموت، وإن أُغرق بالدماء والدخان والأسلاك الشائكة. هذا الرجاء يُعيدنا إلى نقطة البدء: ما هو السلام؟ وهل هو غاية نهائية أم خيار يومي؟ وهل هو ممكنٌ أصلًا في عالمٍ يتأسّس على التنازع والتفاضل والصراع من أجل البقاء؟
السلام، كما أراه، ليس قرارًا سياسيًا تُبرمه الدول، بل هو قرار داخلي يتّخذه الإنسان حين يُعيد ترتيب أولوياته بين أن يربح العالم وأن يُنقذ قلبه. هو لحظة صدق مع الذات، قبل أن يكون لحظة مصافحة مع الآخر. هو إدراكنا أنّ القوة لا تُبنى على إخضاع الخصم، بل على فهمه. وأنّ الاختلاف لا يُلغي التكامل، بل يُثريه.
لكن تحقيق هذا النوع من السلام يتطلّب ثلاثة شروط جوهرية:
الاعتراف بالهشاشة الإنسانية: أن نعترف أنّنا جميعًا نخاف، ونُخطئ، ونتألم، ونتوق إلى الحبّ، مهما كانت جنسياتنا أو أدياننا أو أيديولوجياتنا. حين نُدرك هشاشتنا المشتركة، تقلّ دوافع العدوان.
التخلّي عن أوهام النقاء: فالتاريخ لا يعرف أممًا نقية، ولا شعوبًا معصومة، بل يعرف بشرًا تعلّموا من أخطائهم أو كرّروها حتى أفنوا أنفسهم. من يطلب السلام، عليه أن يقبل بأن الحقيقة ليست حكرًا على طرف دون آخر.
الخيال الأخلاقي: وهو قدرتنا على تخيّل أنفسنا في موضع الآخر، على أن نحيا لحظةً واحدة فقط في خوفه أو فقده أو دمعته. هذا الخيال، لا السياسة ولا الفلسفة، هو الذي يصنع اختراقات السلام.
قد يقول البعض إنّ ما أقوله مثالي، أو حتى ساذج، أمام ما يشهده العالم من مجازر وحروب وسباقات تسلّح وتنازع على النفوذ. لكنّي أردّ ببراءة من لا يزال يؤمن رغم كل شيء: إن لم نبدأ من هذا الإيمان، فإلى أين نذهب؟ وما البديل؟ أن نعيش إلى الأبد في دوامة الكراهية والانتقام والقلق الوجودي؟
السلام ليس ضعفًا، بل ذروة الشجاعة. هو التحدّي الأكبر في عالمٍ تعلّم أن يربح كل شيء، إلّا نفسه. ومن هنا، أكتب، لا لأقنع، بل لأُذكّر بأننا نستحق أن نحاول. أن نحاول بناء جسر. أن نحاول الإصغاء بدل الردّ. أن نحاول السلام، لا لأن العالم جاهز له، بل لأنّنا نحن بحاجة إليه لنكون بشرًا، لا آلات حرب.

Leave a comment