بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
منذ سنوات، كتبتُ مقالةً مطوّلة في مجلة “الإعلام والعصر” بأبو ظبي، علّقتُ فيها على محاضرة ألقتها الباحثة البريطانية كاثلين تايلور، وفيها خلصت إلى أنّ التطرّف الديني ينبغي أن يُصنّف كاضطراب عقلي، لا كجريمة. لم يكن كلامها ليبرّر الجرائم، بل كان دعوةً جريئة لفهم الظاهرة على مستوى الباثولوجيا الفكرية.
لم تغب تلك المقولة عن بالي أبدًا، وها هي تعود إليّ الآن مع خبرَين في ظاهر الأمر لا يجمع بينهما جامع، لكنّ الواقع يجعلهما منسوجَين من خيوط واحدة:
أولًا: قرار الولايات المتحدة رفع “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب، وهي الهيئة التي لم تنشأ من فراغ بل من “جبهة النصرة”، الذراع السورية لتنظيم القاعدة، والمتورطة في واحدة من أشدّ الحروب تعقيدًا وأهوالًا.
ثانيًا: تصاعد الحملات الرسمية في عواصم عربية وأوروبية ضد جماعة “الإخوان المسلمين”، باعتبارها حاضنة فكرية للتطرّف رغم خطابها العلني المعتدل في كثير من الأحيان.
فنّ إدارة التطرّف… لا محاربته
في الحالتين، أشعر وكأنّ التاريخ يعيد نفسه ولكن بأساليب أكثر خفّةً ودهاءً. فالأصولية التي وصفناها ذات يوم بأنها مرض عقلي يُفترض أن يُعالج، باتت تُعاد هندستها في معامل السياسة الدولية، لا لاستئصالها بل لإعادة تدويرها.
كيف تُفكك الولايات المتحدة اليوم ذراعًا إرهابيًا معلنًا، وتسحبه من قوائم الإرهاب، فيما يتم شنّ حملات ضارية على جماعة أخرى ما زالت تعتبر نفسها حركة سياسية سلمية؟
قد يبدو الأمر تناقضًا، ولكنّه في الحقيقة نتيجة مباشرة لفهمٍ تجريبي طويل في “فنّ إدارة التطرّف”.
حين قرّرت واشنطن إعادة تأهيل “هيئة تحرير الشام”، لم تكن تعترف بفضيلة نشأت فجأة في عقل زعيمها، بل كانت توجّه رسالة أوضح من الشمس: “من يسير معنا… نغفر له ما مضى، ولو سفك الدماء”. أما من يحاول الحفاظ على استقلاله الخطابي أو طموحه العابر للحدود، فليتهيّأ لتلقّي الضربات في وضح النهار.
التطرف… سلعة قابلة للتأجير
ولأنّي أعود اليوم إلى مقالة كاثلين تايلور، أتساءل مجدّدًا: هل نحن أمام اضطرابات عقلية تُوظّفها القوى العظمى ببراغماتية مذهلة؟ أم أمام أمراض سياسية تُنتجُ، عن سابق تصميم، الأصولية كأداة؟
حين قالت تايلور إنّ ضرب الأطفال بحجّة التربية ليس رأيًا شخصيًا بل نوع من العنف المرتبط بالخلل الذهني، كانت تفتح بابًا لفهم المجتمعات من داخلها.
وأنا أقول الآن: إنّ السكوت عن خطاب “هيئة تحرير الشام” الحالي، الذي لم يتبرّأ فعليًا لا من الجهادية العالمية ولا من تاريخ التكفير، ليس علامة تسامح، بل هو صفقة سياسية مغلفة بالنفاق.
بين تفكيك الإخوان… وإعادة تأهيل النصرة
وإذا كانت الحملة على “الإخوان المسلمين” تعبّر عن قلق مشروع لدى بعض الدول من تغلغل الجماعة في البنى المجتمعية والمؤسساتية، فإنّ التمييز بين التطرّف المحظور والتطرّف المسموح بات اليوم أشبه بمسرحية سوريالية؛ فذات المنهج، حين يخدم “الغرب”، يصبح حليفًا… وإن عارض، صار تهديدًا.
لكن، لا الأصولية وُلدت في الفجر فجأة، ولا الحروب الأهلية اشتعلت بلا وقود. لقد غذّاها الإعلام طويلًا، وروّج لها الخطاب الانفعالي، وتجاهلها العقل النقدي، تمامًا كما تجاهل الغرب لعقود آلام الشعوب في الشرق، وتركها تتخمر في غضبها، وحرمانها، وهزائمها.
وها نحن الآن أمام لحظة فارقة: لحظة قد يكون من المفيد فيها أن نعود إلى الجذر، لا فقط لنسأل: من موّل؟ ومن سلّح؟ بل أيضًا لنسأل: لماذا لم نزرع في أوطاننا لقاحات المقاومة الفكرية؟ لماذا لم نعالج مرضانا قبل أن يصبحوا إرهابيين؟
رُقَعٌ سوداء على ثوب ممزّق
في طفولتي، كانت جدّتي تخيط لي رقعًا من قماش غريب على ثوبي الممزّق، كي لا أبدو مفضوحًا أمام أقراني. لم تكن الرقع تحلّ المشكلة، لكنها كانت تؤجّلها.
هكذا أرى الآن محاولات “الاستئصال الانتقائي” للتطرّف. نخيط رقعة هنا، ونمزّق رقعة هناك، ونتجاهل أنّ الثوب كله بحاجة إلى غزل جديد… لا إلى ترميمات سياسية.
ولا يزال الدم يُراق، في شرق الأرض وغربها، لأنّ أحدًا لم يجرؤ بعد على الاعتراف بالحقيقة الكاملة: أننا، كلّنا، في هذه اللعبة… إما صنّاعٌ للتطرّف، أو صامتون على صناعته.

Leave a comment