بقلم سيرينا مارغيلوفا – سلامُنا بوست: في حديث لافت أدلى به أمس إلى صحيفة “ذا ناشيونال”، أطلق توماس بارّاك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، سلسلة من الإشارات التحذيرية بشأن مستقبل لبنان، صاغها بلغة مزيجها بين الصراحة والرمز، وبين التلويح والإنذار. لكنه لم يترك مجالًا للالتباس حين قال إن مصير لبنان بات مرهونًا بـ”مدى صبر الرئيس دونالد ترامب” على تلكّؤ الحكومة اللبنانية في تنفيذ القرارات الدولية، وعلى رأسها ما يتعلّق بنزع سلاح “حزب الله”.
هي لهجة لم يألفها الخطاب الدبلوماسي الأميركي تجاه بيروت منذ عقود. فالتحذير لم يأتِ هذه المرة من وزارة الخارجية، ولا من البنتاغون، ولا من الكونغرس، بل من مبعوث خاص يحمل تفويضًا مباشرًا من إدارة ترامب التي تستعيد اليوم سطوتها الإقليمية بعيون مختلفة. ومن الملفت أيضًا أن بارّاك أعاد التذكير، ربما بنوع من العتب التاريخي، بأن ترامب هو “أول رئيس أميركي يُحبّ لبنان منذ أيام دوايت إيزنهاور”، وكأنه يضع اللبنانيين أمام مفترق أخلاقي: إما التقدير والامتثال، وإما السقوط في “عداد بلاد الشام”.
بين إيزنهاور وترامب: ما الذي تغيّر؟
في خمسينيات القرن الماضي، كانت إدارة إيزنهاور تنظر إلى لبنان كمنصة واعدة للنموذج الغربي الليبرالي في الشرق الأوسط، بعيدًا عن الموجات القومية والثورية التي اجتاحت سوريا ومصر. لكن هذه “الاستثنائية اللبنانية” ما لبثت أن تآكلت بفعل الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، وعلى رأسها الهيمنة السورية المباشرة التي تكرّست بين عامَي 1976 و2005، وما تلاها من صراع داخلي على هوية لبنان وموقعه الإقليمي.
بارّاك لمّح إلى أن تلك الهوية أصبحت اليوم “قيد التفاوض” مرة أخرى، ولكن في غياب إرادة لبنانية موحّدة، وفي ظل عجز شبه مطلق عن مواكبة المتغيّرات التي تُرسم في المنطقة، من حدود القوة إلى خرائط النفوذ، ومن بوصلة واشنطن إلى تفاهمات موسكو – تل أبيب – أنقرة – الرياض. فحين يتحدث المبعوث الأميركي عن احتمال أن “يُعاد تدوير مستقبل الجميع”، فإن العبارة تنطوي على إعادة هيكلة شاملة لشرق أوسط قديم، حيث لم يعد مقبولًا أن يبقى لبنان على حاله، كيانًا مكسور السيادة، تتقاسمه الميليشيات والمحاصصات والمساومات.
اللغة التحذيرية: ما وراء الكلمات؟
المقلق في كلام بارّاك ليس التلويح بتهديد مباشر، بل تلك النبرة التي تُشبه تقارير الاستخبارات أكثر مما تُشبه التصريحات الدبلوماسية. “نفاد الصبر” ليس تعبيرًا مجازيًا، بل غالبًا ما يكون في القاموس السياسي الأميركي مقدّمة لقرارات تنفيذية قاطعة: من فرض العقوبات، إلى تعليق الدعم، وصولًا إلى إعادة تصنيف الدول والكيانات ضمن خرائط الفوضى أو الحلول المؤقتة.
وإذا ما قُرئ هذا الكلام في ضوء التقارير المتزايدة عن ازدياد التنسيق الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن الجنوب اللبناني، وإعادة تأهيل البيئة السياسية في سوريا، فإن المقصود بكلام بارّاك ليس “لبنان كبلد”، بل لبنان ككيان سياسي في صورته الحالية. أي أن التحذير قد لا يُقصد به التهديد بزوال الدولة، بل بتغيير شكلها، وربما موقعها وحدودها.
خرائط تُرسم خارج الحدود
إنّ لبنان، وللمفارقة، يعيش حالة من “انعدام الوزن السيادي”. فمن جهة، لم يعد المجتمع الدولي قادرًا على فهم من يُمثّل لبنان في القرار الخارجي، ومن جهة ثانية، فإن الداخل اللبناني تائه بين سلطة لا تحكم، ومعارضة لا تقترح، وشعب يُستنزف ببطء، ويتحوّل تدريجيًا من الاحتجاج إلى الهجرة.
وفيما تتقاطع المصالح الدولية حول سوريا، ويُعاد تشكيل التوازنات في العراق والأردن وتركيا، يبدو لبنان وكأنه منطقة حرة للأفكار الأجنبية، ومكبّ نفايات للصفقات المعطّلة. وليس من العبث أن يُذكّرنا بارّاك بأن مستقبل هذا البلد “قد يُعاد تدويره”، لأن الأمم التي تفقد القدرة على التجديد الذاتي، تُجبر في النهاية على أن يعاد تشكيلها وفق رؤية الآخرين.
المطلوب لبنانيًا: خطوات فورية قبل فوات الأوان
لا مكان للمثالية في السياسة الدولية، لكن ما زال بإمكان لبنان الرسمي أن يُعيد التقاط المبادرة، ولو في الرمق الأخير. ومن أبرز ما يجب أن يُبادر إليه:
أولًا، إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، عبر خطوات واضحة تجاه تطبيق القرارات الدولية، ولو تدريجيًا، مع وضع خارطة طريق واضحة لنزع سلاح الميليشيات غير الشرعية، وفق آلية داخلية ـ دولية مشتركة.
ثانيًا، تحييد لبنان رسميًا عن محور الممانعة، وتمتين تفعيل العلاقات المتوازنة مع جميع الدول العربية، خصوصًا الخليجية منها، بما يُعيد للبنان عمقه الاقتصادي والسياسي.
ثالثًا، الدعوة إلى طاولة حوار وطني حقيقية، تُناقش مصير الكيان اللبناني، وتُعيد تأسيسه على قاعدة المواطنة والسيادة، بدلًا من أن يُفرض هذا المصير من الخارج.
رابعًا، المواظبة على إصلاح البنية القضائية والمالية والإدارية، بما يُقنع واشنطن والعواصم الغربية بوجود شريك لبناني جدير بالثقة.
بين بيروت ودمشق: علاقة مضطربة بالزمن والتاريخ
لطالما كانت العلاقة بين لبنان وسوريا مشوبة بالتوترات والتباسات المصير. فمن “وحدة المسار والمصير” التي فرضها الأسد الأب، إلى الاحتلال المباشر، ثم الانسحاب القسري في 2005، بقيت بيروت رهينة لعقدة الجغرافيا السياسية التي لم تُحلّ. أما اليوم، فإن الكلام الأميركي عن إدخال لبنان في “عداد بلاد الشام” لا يعني بالضرورة عودة سوريا إليه، بل انزلاقه إلى منطق اللاكيانية، حيث تتآكل حدوده بالتدرّج، وتُحسم هوّيته على موائد الآخرين.
وقد يكون في كلمات توماس بارّاك نبرة تحذير، لكنها في الوقت نفسه تحمل فرصة أخيرة. فالرئيس ترامب، كما قال المبعوث، يُحبّ لبنان. لكن الحب وحده لا يكفي. وإذا لم يُحسن اللبنانيون التقاط هذه الإشارة، فقد يُصبح البلد، لا محالة، “حالة” تُعاد صياغتها، لا ككيان مستقل، بل كجسر أو هامش في مشاريع الآخرين.
فهل يستفيق اللبنانيون قبل أن يُعاد تدويرهم، ليس فقط كدولة، بل كذاكرة وهوية ومكان؟
*سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط

Leave a comment