سلامُنا بوست – ترجمات: يخوض الديمقراطيون في ولاية كارولاينا الشمالية صراعًا مريرًا بعدما أدان الحزب الديمقراطي في الولاية إسرائيل بسبب “حكم الفصل العنصري”، ما كشف عن انقسام داخلي في ولاية متأرجحة معتدلة بدأت ملامحه تتفشّى على مستوى وطني، وقد تُعقّد خطط الحزب للانتخابات النصفية عام 2026.
فقد أُقرّت بصعوبة نهاية الشهر الماضي، وبأغلبية ضئيلة، مسوّدة قرار قويّ اللهجة يدعو إلى فرض حظر أسلحة على الحليف الأميركي، وذلك بعدما كانت ولايتان أخريان قد تبنّتا قرارات مماثلة، واختار الناخبون الديمقراطيون في نيويورك مرشحًا لمنصب رئيس البلدية يُعرف منذ زمن بانتقاده لإسرائيل. وفي ميشيغن، حيث امتنع العديد من الديمقراطيين عن التصويت في الانتخابات التمهيدية الرئاسية العام الماضي احتجاجًا على سياسة الحزب حيال إسرائيل، قد تُفتح جبهة جديدة لتظهير هذا الانقسام داخل الحزب من خلال انتخابات تمهيدية مكتظة لمقعد مجلس الشيوخ.
أما تنوّع المناطق التي تشهد تصاعد هذا النقاش — من ولايات الجنوب والغرب الأوسط إلى المدن الساحلية ذات الأغلبية الديمقراطية — فيكشف عن توتّر متنامٍ بين قاعدة الحزب وقادته المنتخبين. ويحذّر البعض من أنّ هذه القضية الشائكة في السياسة الخارجية قد تُشتّت الحزب عن صياغة خطاب موحّد بشأن الاقتصاد وقضايا أخرى أكثر ارتباطًا بغالبية الناخبين.
وقالت إيمي بلوك دي-لوتش، نائبة رئيس لجنة اليهود في الحزب الديمقراطي بولاية كارولاينا الشمالية: “في كل مرة ينشغل فيها الديمقراطيون بهذه المسألة، فهم لا يعملون على انتخاب ديمقراطيين آخرين. وهذه مشكلة”.
وقد أقرّت اللجنة التنفيذية للحزب في الولاية القرار في 28 حزيران، وهو نفس عطلة نهاية الأسبوع التي أعلن فيها السيناتور الجمهوري توم تيليس عن عدم نيّته الترشّح لولاية ثالثة، بعد أن خالف الرئيس دونالد ترامب بشأن مشروع قانون الضرائب والهجرة. وعلى الرغم من اغتنام الديمقراطيين لهذا الإعلان، إلا أنهم لم يمنحوه التركيز اللازم بسبب استمرار الخلافات الداخلية بشأن قرار إسرائيل.
ولطالما دعم ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية بشكل شبه غير مشروط، إذ ادّعى العام الماضي أن “أي يهودي يصوّت للديمقراطيين فهو يكره ديانته”، في حين استغلّ حملته لمكافحة معاداة السامية للتضييق على الجامعات والمتظاهرين.
وقد أضعفت الخلافات الداخلية حول إسرائيل وحدة صفوف الحزب الديمقراطي وقلّصت حماسة الناخبين الشباب خلال الحملة الرئاسية العام الماضي، في وقتٍ كانت إسرائيل تردّ فيه على هجوم حماس المفاجئ في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
واحتلّ المنتقدون لإسرائيل الحرمات الجامعية في مختلف أنحاء البلاد، وتعرّض مرشحو الحزب الديمقراطي لهتافات عدائية خلال حملاتهم، ودعا الناشطون إلى تصويت احتجاجي في الانتخابات التمهيدية.
وفي ميشيغن، صوّت أكثر من 100 ألف ناخب ديمقراطي — أي نحو 13 في المئة من مجمل الناخبين في الانتخابات التمهيدية — على خيار “غير ملتزم” لإبداء استيائهم من سياسة الرئيس جو بايدن تجاه إسرائيل. وقد فاز ترامب لاحقًا في ميشيغن وسائر الولايات المتأرجحة.
ولا تزال الخلافات مستعرة داخل الحزب الديمقراطي، وقد تفجّرت مجددًا الشهر الماضي مع إعلان ترشيح زهران ممداني لمنصب رئيس بلدية نيويورك. ممداني، وهو مسلم، رفض إدانة شعار “عولِموا الانتفاضة”، والذي يراه بعض اليهود دعوةً إلى العنف ضدّهم، فيما يعتبره العديد من الفلسطينيين دعمًا لنضالهم من أجل وطن. وقد وُصفت هذه العبارات بأنها مثيرة للقلق، لا سيما بعد حوادث الاعتداء على يهود في واشنطن العاصمة ومدينة بولدر وأماكن أخرى.
أما الجمهوريون، فلم يَسلموا بدورهم من الانقسامات الداخلية بشأن إسرائيل ودور الولايات المتحدة العالمي، خصوصًا بعد أن أمر ترامب الشهر الماضي بقصف إيران، ثم أعلن عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، واستضاف نتنياهو في البيت الأبيض هذا الأسبوع في محاولة لفرض تهدئة في غزة.
وفي استطلاع رأي أجرته مؤسسة “بيو” في آذار/مارس، أعرب 53 في المئة من الأميركيين عن رأي سلبي تجاه إسرائيل، ارتفاعًا من 42 في المئة في آذار 2022، أي قبل اندلاع النزاع الأخير. وكان موقف الديمقراطيين أكثر سلبية من الجمهوريين، إذ عبّر 69 في المئة من الديمقراطيين عن رأي سلبي تجاه إسرائيل مقابل 37 في المئة فقط من الجمهوريين.
أما في استطلاع آخر أجراه “مجلس شيكاغو للشؤون الدولية” في أيار/مايو، فقد منحت القاعدة الديمقراطية إسرائيل متوسط تقييم بلغ 41 من أصل 100، وهو تراجع بمقدار 11 نقطة مقارنة بعام 2022، ويُعدّ الأدنى منذ بدء هذه السلسلة من الاستطلاعات قبل 47 عامًا. وقال أكثر من ثلثي الديمقراطيين إن الولايات المتحدة يجب أن تبقى محايدة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فيما قال 20 في المئة إنها يجب أن تنحاز للفلسطينيين، و10 في المئة فقط لإسرائيل.
ريِم صُبيح، رئيسة لجنة العرب في الحزب الديمقراطي بكارولاينا الشمالية، قالت إنها دفعت باتجاه قرار حظر السلاح لأنه “صحيح أخلاقيًا” و”سليم سياسيًا”. وأضافت: “نرى في هذه القضية عنصرًا يوحّد ويجذب مزيدًا من الناخبين نحو الحزب الديمقراطي. هذا التصويت داخل حزبنا هو دعوة إلى من ابتعدوا عن الحزب أو عن التصويت في الانتخابات السابقة للعودة والانخراط”.
لكن هالي صوفر، المديرة التنفيذية لـ”مجلس الديمقراطيين اليهود في أميركا”، رفضت هذا الطرح، مشيرة إلى أن النائبين جمال بومان وكوري بوش، المعروفين بمواقف منتقدة لإسرائيل، خسرا الانتخابات التمهيدية العام الماضي أمام مرشحين مؤيدين لإسرائيل، بدعم من مجلسها ومن اللجنة السياسية التابعة للّوبي الإسرائيلي (AIPAC).
وقالت صوفر: “في الحقيقة، القرار الصادر في كارولاينا الشمالية هو الاستثناء، لا القاعدة”.
وقد أصدرت ولايتان أخريان قرارات مشابهة ولكن بلهجة أكثر اعتدالًا. ففي الشهر الماضي، أقرّ حزب الديمقراطيين في ولاية ويسكونسن قرارًا قال فيه إن قاعدته “تؤيّد بقوة فرض قيود على تزويد إسرائيل بالأسلحة”، بينما تبنّى الحزب الديمقراطي في ولاية واشنطن العام الماضي قرارًا يدعو وفد الولاية في الكونغرس إلى ضمان امتثال المساعدات العسكرية لإسرائيل للقوانين التي تحظر تقديم العون للدول التي تنتهك حقوق الإنسان.
وفي كارولاينا الشمالية، نصّ القرار على أن الحزب يؤيد “فرض حظر فوري على جميع المساعدات العسكرية وشحنات الأسلحة والدعم اللوجستي العسكري لإسرائيل”، على أن يبقى الحظر قائمًا حتى تُقرّ منظمات حقوق الإنسان، مثل “أمنيستي إنترناشونال”، بأن إسرائيل لم تعد تمارس نظام الفصل العنصري. ووفقًا لمؤيدي القرار، فقد أُقرّ بأغلبية 161 صوتًا مقابل 151، فيما قال المعارضون إنهم يعتقدون بوجود ثلاثة أصوات إضافية ضد القرار، لكنهم أقرّوا بأنه مرّ بفارق ضئيل.
القرار غير ملزم، وقد أشار المعارضون إلى أن أثره الوحيد هو تسليط الضوء على الانقسامات داخل الحزب. وقالت النائبة السابقة كاثي مانينغ، رئيسة “الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل”، إن هذا القرار يُضعف جهود الحملة ضد الجمهوريين ولن يغيّر مواقف مرشحي الحزب أو المسؤولين المنتخبين.
وأضافت: “ليت داعمي القرار يتأملون ما حدث عندما تزايد الزخم ضد المساعدات لإسرائيل في ميشيغن. النتيجة أن دونالد ترامب فاز بالولاية. فكيف يشعر الناس حيال ذلك”؟
في المقابل، يُسارع الجمهوريون إلى استغلال هذه الانقسامات لتصوير الديمقراطيين على أنهم يعادون حليف أميركا الأبرز في الشرق الأوسط. وقال مات ميرسر، المتحدث باسم الحزب الجمهوري في كارولاينا الشمالية، في بيان: “اليسار الراديكالي يواصل دفع سياسات خاطئة ضد إسرائيل وأولويات لا تخدم أميركا”.
وتُعدّ انتخابات مجلس الشيوخ في كارولاينا الشمالية من أبرز الفرص المتاحة للديمقراطيين لتحقيق مكاسب العام المقبل، وقد بعث قرار تيليس بالتقاعد الأمل في صفوفهم. وكان النائب السابق وايلي نيكل قد أعلن ترشحه في نيسان، فيما يترقّب الحزب ما إذا كان الحاكم السابق روي كوبر سيدخل المعترك الانتخابي.
وقد وصف نيكل القرار الحزبي بأنه “متطرّف”، وقال إن وقف إمدادات الأسلحة الدفاعية لإسرائيل يعني “حكمًا بالإعدام على الآلاف”. وكان قد صوّت في مجلس النواب لصالح حزمة مساعدات ثنائية لإسرائيل، ورفض أخرى قدّمها الجمهوريون، مؤكدًا أنه يتبنّى مقاربة “متوازنة” تجاه السياسة الأميركية هناك. وأضاف: “لو كنت الآن في مجلس الشيوخ، ومع ما أراه من نتنياهو وترامب، لكان من الصعب عليّ أن أصوّت لصالح بعض الأسلحة الهجومية لإسرائيل”.
أما كوبر، الذي فاز في خمس انتخابات على مستوى الولاية، فسيكون فورًا الأوفر حظًا في الانتخابات التمهيدية إذا ترشّح. ولم يدلِ بأي تعليق، علمًا أنّه لم يشغل منصبًا في الكونغرس ولم يُضطر بعد إلى تحديد موقف تفصيلي من قضية إسرائيل. وفي حال دخوله السباق، قد يُجنّب الحزب صدامًا داخليًا في الانتخابات التمهيدية.
لكن الوضع قد يكون مختلفًا في ميشيغن، حيث يتنافس أربعة ديمقراطيين على ترشيح الحزب لمقعد السيناتور المتقاعد غاري بيترز، ومن بينهم النائبة هايلي ستيفنز، المؤيدة البارزة لإسرائيل، وعبدول السيد، المدير السابق للصحة في مقاطعة واين، الذي وصف أفعال إسرائيل في غزة بأنها “إبادة جماعية”.
وقبل موعد الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، سيخوض ممداني الانتخابات العامة في نيويورك هذا الخريف، ما سيمثّل اختبارًا لمواقفه من إسرائيل في مدينة ذات أغلبية ديمقراطية وتضمّ أكبر عدد من اليهود خارج إسرائيل.
وقد حصل ممداني على أكبر عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات التمهيدية لمنصب رئيس البلدية، لكن قادة الحزب لم يتوحّدوا حوله، بل خرج العديد من الديمقراطيين المعتدلين ضد ترشيحه.
وقالت النائبة لورا غيلين إن ممداني “متطرّف جدًا لقيادة مدينة نيويورك”، فيما أبدى النائب توم سوازي “قلقًا جديًا” من ترشيحه. أما السيناتورة كيرستن غيليبراند فقالت في مقابلة إذاعية إن بعض ناخبيها “أعربوا عن انزعاجهم” من تصريحات ممداني، خصوصًا إشاراته إلى “الجهاد العالمي”، قبل أن تعتذر لاحقًا عن “تحريف” أقواله.
وقد اعتبر مؤيدو قرار كارولاينا الشمالية أن الديمقراطيين في الكونغرس باتوا بعيدين عن نبض القاعدة الشعبية. وقال مارك بوتشكيس، العضو في مجموعة من التقدميين اليهود المؤيدين للقرار داخل الحزب: “الخطر الحقيقي يكمن في تجاهل الحزب لاتجاه ناخبيه”.
*المصدر: واشنطن بوست – ساهمت في إعداد هذا التقرير كلٌّ من سارة إليسون وإميلي غوسكين

Leave a comment