بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
أشعر، وأنا أراقب التطورات المتسارعة في ملف العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أننا نقف اليوم على أعتاب فصل جديد من التوتر الغربي-الغربي، تلوح في أفقه مؤشرات مواجهة قد تتجاوز لغة الأرقام والرسوم الجمركية لتطال جوهر التوازنات الجيوسياسية التي أرساها الغرب لنفسه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وفي تصريحاتها الأخيرة، حرصت على أن تبقي الباب مفتوحًا أمام الحوار، حين أعلنت تمديد المفاوضات التجارية مع واشنطن حتى أغسطس/آب المقبل، مؤكدة تفضيلها للحلول التفاوضية وحرصها على عدم اللجوء، في المرحلة الراهنة على الأقل، إلى “الإجراءات المضادة”.
لكنّ ما لم تقله فون دير لاين صراحة، قاله الألمان بوضوح، وعلى لسان وزير ماليتهم ونائب المستشار، لارس كلينغبايل، الذي دعا إلى ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الولايات المتحدة إن لم تُفضِ المفاوضات إلى حلّ “عادل”.
من نزاع إلى مواجهة؟
القلق الأوروبي بات مشروعًا. فالصراع التجاري بين ضفّتَي الأطلسي لم يعد مجرّد خلافات تقنية حول نسب الرسوم أو تفاصيل تنظيمية؛ بل هو، في عمقه، صراع على من يحدّد قواعد اللعبة في عالم يتغيّر بسرعة.
فالولايات المتحدة، منذ عهد إدارة ترامب الأولى، ثم بشكل مموّه في عهد بايدن، والآن في ولاية ترامب الثانية، لم تتراجع عن سياسة “أميركا أولًا” حتى حين يتعلّق الأمر بشركائها التقليديين في أوروبا. والحوافز الضخمة التي أقرّها “قانون خفض التضخم” الأميركي عام 2022، والتي تمنح دعمًا سخيًا للصناعات المحلية، تُعدّ، بنظر الأوروبيين، ضربًا من الحمائية الاقتصادية المقنّعة التي تهدّد بتقويض تنافسية الشركات الأوروبية في السوق العالمية، وخصوصًا في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والرقائق الدقيقة.
ألمانيا في الواجهة
بالطبع، تتصدّر ألمانيا جبهة الاعتراض الأوروبي، ليس فقط لأنّها أكبر اقتصاد في القارة، بل لأنها الأكثر انكشافًا على السوق الأميركية. ففي العام 2024، صدّرت برلين ما قيمته 161 مليار يورو من البضائع إلى الولايات المتحدة، معظمها في مجالات تعتبرها واشنطن “استراتيجية”، كالسيارات والمكوّنات الصناعية والأدوية.
هذا الرقم الهائل، الذي أنتج فائضًا تجاريًا بلغ نحو 70 مليار يورو، يكشف عمق التشابك، ولكنه أيضًا يشير إلى حجم الهشاشة المحتملة في حال قرّرت واشنطن المضيّ قدمًا في فرض قيود أو رسوم عقابية جديدة.
الخلاف يتجاوز الاقتصاد
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو أن الخلاف التجاري بين الجانبين لا يتحرّك في فراغ. فالسياسة تلعب دورًا خفيًا ولكنه جوهري. فالاتحاد الأوروبي يشعر، منذ بداية الحرب في أوكرانيا، أنه دفع كلفة كبيرة من استقراره الطاقوي والاقتصادي من أجل مجاراة النهج الأميركي في مواجهة روسيا.
ورغم وعود الدعم والمساعدات الأميركية، فإنّ الأوروبيين باتوا أكثر إدراكًا بأنهم يتكبّدون الخسائر بينما تجني أميركا الأرباح، سواء من بيع الغاز الطبيعي المسال أو من استقطاب الاستثمارات الصناعية التي كانت لتُقام على أرض أوروبية لولا الحوافز الأميركية السخية.
أداة مكافحة الإكراه: السلاح الأوروبي الصامت
في هذا السياق، تكتسب تصريحات فون دير لاين بشأن “أداة مكافحة الإكراه” أهميّة خاصّة. فالاتحاد الأوروبي يملك اليوم، للمرة الأولى، آلية تسمح له بالردّ على الضغوط الاقتصادية الأجنبية عبر فرض قيود تتجاوز الرسوم التقليدية لتطال قطاعات الخدمات والتكنولوجيا.
وإن كانت بروكسل لا تزال تعتبر هذه الأداة خيارًا استثنائيًا، فإنّ مجرد التلويح بها يكشف عن تحوّل جوهري في العقيدة التجارية الأوروبية: من الانفتاح والليونة إلى الاستعداد للردّ والردع.
إلى أين تتّجه الأمور؟
في المدى القريب، قد يُفضي التفاوض بين واشنطن وبروكسل إلى تهدئة مؤقتة، وربما إلى تسويات موضعية تحفظ ماء الوجه للطرفين. لكنّ الأرجح، في رأيي، أن التوتر سيظلّ قائمًا، لأنّ جذوره أعمق من مسألة الرسوم الجمركية. فنحن أمام أزمة ثقة متفاقمة بين ضفّتَي الأطلسي، عنوانها العريض: من يقود ومن يتّبع؟
ولعلّ السؤال الأهم الذي يجب على الأوروبيين طرحه اليوم ليس كيف يحمون صادراتهم من الحمائية الأميركية، بل كيف يستعيدون موقعًا ندّيًا في شراكة باتت غير متكافئة.
فإن لم يفعلوا، فإنّ “الحرب التجارية” المقبلة لن تكون ضد الصين أو روسيا، بل بين الحلفاء أنفسهم… وقد تكون الأشدّ كلفة على الإطلاق.

Leave a comment