ترامب يُشهر سلاح الرسوم الجمركية ضد موسكو… وروسيا تترقّب 50 يومًا مصيرية

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

في خطوة قد تُعيد خلط الأوراق على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من قلب المكتب البيضاوي، بفرض “رسوم جمركية مرتفعة للغاية” على روسيا خلال مهلة لا تتعدى الخمسين يومًا، ما لم تُفضِ المحادثات إلى اتفاق يُنهي الحرب المستعرة في أوكرانيا. وفيما ترافق هذا التهديد مع تعبير ترامب عن “خيبة أمله” من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بدا أن واشنطن قد وضعت موسكو أمام اختبار عسير: إما الانحناء للعاصفة، أو الاستعداد لموجة جديدة من التصعيد.

من التصعيد الاقتصادي إلى الاحتمال العسكري

يأتي تصريح ترامب في وقت حساس للغاية، إذ يواجه العالم تداعيات متشابكة للحرب الروسية–الأوكرانية، وسط اضطرابات اقتصادية ومخاوف أمنية متصاعدة. لم تكن نبرة ترامب هذه المرة حادّة فحسب، بل حملت أيضًا بُعدًا اقتصاديًا تهديديًا أكثر منه عسكريًا. فهو لم يتحدث عن تعزيز الانتشار العسكري، بل أعلن عن نية الولايات المتحدة تصنيع “أفضل المعدات والصواريخ وكل شيء”، وإرسالها إلى الناتو، الذي سيتكفل لاحقًا بتوزيعها “حيث تكون هناك حاجة”.

بمعنى آخر، فإن الإدارة الأميركية الحالية، وإن كانت لا تندفع مباشرة إلى حرب مفتوحة، إلا أنها تُحاول استخدام مزيج من أدوات الضغط: العقوبات الاقتصادية، وتوسيع دور الناتو، وتعزيز التسلح في دول المواجهة، مع الحفاظ على سقف التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

موسكو تترقّب وترفع سقف الخطاب

الردّ الروسي لم يصدر رسميًا بعد، ولكنّه كان قد سُجّل منذ أسابيع عندما حذّر الرئيس بوتين من أن “العالم بات على عتبة الحرب العالمية الثالثة”. هذا التصريح الذي أثار آنذاك موجة قلق في العواصم الغربية، يمكن الآن قراءته على نحو مختلف تمامًا: بوصفه تمهيدًا استباقيًا لأي خطوة عدائية قد تتخذها الولايات المتحدة وحلفاؤها تحت شعار دعم أوكرانيا.

من منظور الكرملين، فإن تلويح ترامب برسوم بنسبة 100% لا يُعدّ مجرّد خطوة اقتصادية، بل هو جزء من استراتيجية تطويق وإضعاف اقتصادي طويل الأمد. وإذا كان الكرملين قد تمكّن سابقًا من الصمود في وجه العقوبات الغربية بفضل علاقاته مع الصين ودول “البريكس”، فإن المرحلة المقبلة قد تُجبره على تسريع تحوّله شرقًا وجنوبًا، حيث الأسواق البديلة والمعايير غير الغربية في التجارة والطاقة.

أفق السيناريوهات المحتملة

ما الذي يمكن أن يحدث خلال الـ50 يومًا؟ ثمة عدة سيناريوهات مطروحة على طاولات البحث في أوساط صنّاع القرار والمحللين السياسيين والعسكريين في العالم.

السيناريو الأول: اتفاق هش وتهدئة مؤقتة، حيث من غير المستبعد أن تُمارس واشنطن ضغوطًا على كييف لإبداء مرونة في المحادثات مع موسكو، بهدف انتزاع اتفاق مبدئي يُنقذ ماء وجه الطرفين. مثل هذا السيناريو قد يُرضي ترامب ويُجنّب العالم موجة تصعيد جديدة، لكنّه سيظل هشًا وقابلًا للانفجار عند أول اختبار ميداني.

السيناريو الثاني: التصعيد الاقتصادي والدبلوماسي، حيث في حال رفض روسيا التراجع، قد تفرض الولايات المتحدة الرسوم المعلنة، وتدفع حلفاءها في الناتو والاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات مماثلة، ما يؤدي إلى عزل روسيا اقتصاديًا بدرجة أكبر. الردّ الروسي حينها قد يأتي عبر تقليص صادرات الطاقة إلى أوروبا أو تعطيل طرق الملاحة الحيوية عبر البحر الأسود.

السيناريو الثالث: استفزاز عسكري محدود، حيث في حال شعرت موسكو أن الغرب يقترب أكثر فأكثر من خطوطها الحمراء، قد تلجأ إلى خطوات استعراضية في مناطق مثل البلطيق، أو حتى عبر تصعيد الهجمات في أوكرانيا إلى حدٍّ غير مسبوق. مثل هذه التحركات قد تؤدي إلى مواجهات غير مباشرة، تشبه إلى حد بعيد نمط “الحرب بالوكالة”، ولكنها ستكون محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى.

السيناريو الرابع: انفجار شامل، وهو سيناريو كارثي قد يتحقّق إذا أخطأ أحد الطرفين في تقدير عواقب خطوة ما، فتنزلق الأزمة نحو مواجهة شاملة بين الناتو وروسيا. وقد يكون أي حادث عرضي – سواء في بحر الشمال أو عبر طائرات بلا طيار – الشرارة التي تُشعل نارًا يصعب إطفاؤها.

من سيربح ومن سيخسر؟

في الحسابات الآنية، قد يبدو أن واشنطن قادرة على فرض معادلاتها بالقوة الاقتصادية، لكنّ روسيا تملك أيضًا أوراقًا استراتيجية صلبة، لا سيما في مجال الطاقة والسلاح والفضاء السيبراني. أوروبا بدورها تُدرك أنها ستكون الخاسر الأول من أي مواجهة كبرى، ولهذا ستسعى على الأرجح إلى التوسّط بهدوء بين طرفين يقتربان من شفير الهاوية.

أما بوتين، فقد يُراهن على طول النفس، وعلى قدرة الشعب الروسي على تحمّل الضغوط، مستندًا إلى رواية “المظلومية التاريخية” التي باتت حجر الزاوية في خطابه الداخلي. في حين أن ترامب، العائد حديثًا إلى البيت الأبيض، قد يستثمر هذا الضغط لتعزيز صورته كزعيم حازم على المسرح الدولي.

وربما لا تكون الخمسون يومًا كافية لإنهاء حرب كبرى، لكنّها بالتأكيد ستكون كافية لتحديد اتجاه الريح: إما نحو تسوية مرنة تحفظ ماء وجه الجميع، أو نحو تصعيد يُقحم البشرية مجددًا في أتون حرب باردة جديدة… وربما أكثر سخونة.

Leave a comment