من بلفاست إلى بيروت: عندما ترفض البنادق أن تصمت

بقلم: إميلي غرينوود

صحفية بريطانية متخصّصة في قضايا السلام العالمي

لطالما شغلتني الفكرة التي مفادها أنّ كل حركة مقاومة تبدأ مشروعة، ثم تتحوّل تدريجيًا إلى مشكلة، إذا لم تُحسن قراءة الزمن، ولا فهم معادلاته. وقد بدا هذا الأمر جليًا حين كنتُ طالبة صحافة في تسعينيات القرن العشرين، أتابع بدهشة كيف تحوّل الحزب الجمهوري الإيرلندي من تنظيم مسلح عتيد، هزّ لندن بتفجيرات دامية، إلى كيان سياسي مدني يخوض الانتخابات ويُفاوض باسم ناخبيه بدلًا من إطلاق النار باسمهم.

لم يكن هذا التحوّل سهلًا. كنا نعلم في بريطانيا، كما العالم بأسره، أنّ “الجيش الجمهوري” لم ينزل السلاح حبًا في الديمقراطية فقط، بل لأنه فهم ببساطة أنه لن يستطيع أن يربح حربًا إلى الأبد، وأن الحفاظ على المكاسب السياسية يتطلب أدوات أخرى، غير الكلاشينكوف والسيارة المفخخة.

أتذكّر، بوضوح، كلمات جيري آدامز، الزعيم الذي نُظر إليه يومًا كمجرم حرب، قبل أن يُصبح نجمًا في الحياة البرلمانية: “إذا أردت أن تبني وطنًا، فلا بدّ أن تعرف متى تطوي صفحة الرصاص، وتفتح صفحة السياسة”.

اليوم، وأنا أتابع المشهد في لبنان، يخطر لي سؤال بسيط، ولكنه موجع: لماذا لم يُدرك حزب الله بعد أنّ السلاح ليس مشروعًا دائمًا؟

أكتب من بيروت، مدينة التناقضات المذهلة، حيث بإمكانك أن تحتسي القهوة في الجميزة على إيقاع فيروز، فيما بنادق الضاحية ما زالت توجّه إلى صدور خصوم الحزب، لا إلى العدو.

يعترف الجميع تقريبًا في لبنان والعالم بأنّ “حزب الله” لعب دورًا مركزيًا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبأنّه تحمّل عبئًا عسكريًا هائلًا عن الدولة اللبنانية في مراحل معيّنة من الصراع. ولكن ما لا يُفهم، أو لا يُبرّر، هو إصرار الحزب على الإبقاء على هذا السلاح بعد زوال الاحتلال من معظم الأرض، وبعد أن تحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه الجيش البديل داخل الدولة نفسها، بكل ما يخلّفه ذلك من اضطراب في التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

في بلفاست، ما كان ممكنًا بناء السلام من دون قرار استراتيجي من الجيش الجمهوري الإيرلندي بحلّ جناحه العسكري. القرار لم يكن تنازلًا بقدر ما كان اعترافًا بأنّ زمن الرصاص انتهى، وبأنّ السياسة وحدها تستطيع أن تصنع دولة قابلة للحياة.

فلماذا يبدو حزب الله عالقًا في عقدة ما بعد الانتصار؟

لماذا يصرّ على قراءة الواقع بعين 2006، حين واجه إسرائيل وأوجعها، بدلًا من أن ينظر إلى التغيير الإقليمي والدولي، ويحجز مكانًا له في طاولة المفاوضات لا في ساحات الحرب؟

أفهم تمامًا مخاوف الحزب من أن يُستدرج إلى نزع سلاحه دون مقابل سياسي أو أمني، وأتفهّم الهواجس التي يعيشها جمهور المقاومة، خصوصًا بعد التجارب المريرة في العراق وسوريا وليبيا. ولكن، أليس في ذلك اعتراف ضمني بأنّ المشروع أكبر من لبنان، وأنّ قرار الحرب والسلم لم يعد يُتخذ في بيروت أصلًا، بل في طهران وربما في عواصم أخرى أيضًا؟

جيري آدامز قال ذات يوم: “التحوّل من البندقية إلى السياسة يتطلب شجاعة أكبر بكثير من القتال”.

ربما آن الأوان لحزب الله أن يُظهر هذه الشجاعة، قبل أن يكتشف أنّ فائض القوة قد يتحوّل إلى عبء، لا إلى ضمانة. فلن تنجح أي دولة، مهما بلغت قوتها، إن كان سلاحها مشرذمًا، وإن كانت أجنداتها موزّعة على أكثر من عاصمة، وإن كان ولاء أبنائها موزّعًا بين الدولة و”الدولة داخل الدولة”.

لقد علّمنا التاريخ أنّ المقاومة الحقيقية تنتهي حين تنتصر… أو حين تتحوّل إلى سرطان يفتك بمن قاومت لأجلهم.

Leave a comment