بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
في صيف عام 1998، لم يكن “عبد الرحمن الدرزي” مجرّد رمز شعري اخترعه والدي في قصيدته “بطاقة انتماء… ومهد”، بل كان، كما أراه الآن، إشعارًا باكرًا بولادة حلمٍ يتجاوز الطائفة، ويتوغّل في عصب الوطن. في ذلك الزمن، كان الجبل يحتلّ الذاكرة، وكانت الحقول في القصيدة تسكن “الوعي والحلم والأمل والمستحيل”… واليوم، بعد أكثر من ربع قرن، أعود إلى تلك الكلمات القديمة، فأجدها تقرأ الراهن السوري بعينٍ لا تعرف أن تنام.
إنها السويداء. المدينة التي قاومت كل أشكال التطرّف، ودفعت غاليًا ثمن حيادها، تنتفض اليوم على تخوم الخوف. أبناء جبل العرب، أولئك الذين اكتفوا طيلة سنوات الحرب السورية بالدفاع عن أرضهم وكرامتهم، وجدوا أنفسهم اليوم محاصرين بين نار الجماعات التكفيرية التي خرجت من رحم الماضي الظلامي، ونظامٍ يُمسك بجمر السلطة، ولو احترقت البلاد بأسرها.
اليوم، وفي واحدة من أكثر الضربات الإسرائيلية صراحةً وجرأة منذ عقود، قصفت طائرات تل أبيب مقرّ هيئة الأركان السورية في قلب دمشق، وقيل إن القصر الجمهوري نفسه لم يسلم. الدافع المعلن؟ حماية المكوّن الدرزي في السويداء، ونصرة انتفاضته. والدافع المضمر؟ أكثر تعقيدًا، وربّما أكثر صدقًا.
بين عبد الرحمن الدرزي وأحمد الشرع
في القصيدة، يظهر “عبد الرحمن الدرزي” ككيان شعري يبحث عن ماء الانتماء في صحراء الشك. يمدّ “يدًا لا تخون”، ويتأمّل بـ”الجداول المصلوبة” و”القمم النديّة” التي “تحترف الحزن والانتظار”… صورة لا تختلف كثيرًا عمّا يعيشه الدروز في سوريا اليوم، وقد تحوّلوا من أبناء دولة إلى أبناء منفى داخل الدولة.
أما في الواقع، فإن من يشهر السلاح اليوم في وجههم ليس مجرد غريبٍ عن الجغرافيا، بل هو من صلب “الأخوّة في الدين”، على الأقل في الشكل. فالرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، المعروف سابقًا بـ”أبو محمد الجولاني”، لم يكن يومًا صديقًا لهذه الطائفة. رجل خرج من عباءة “هيئة تحرير الشام”، التي رفعتها واشنطن مؤخرًا من قائمة الإرهاب، وأُعيد تأهيلها إقليميًا بدعوى “محاربة النظام الإيراني”، لكنه في العمق ينتمي إلى سرديّة مذهبية لا تتّسع لمن لا يشبهها.
فهل يجوز الاستغراب إذًا من وصول الصراع إلى ذروة الغرابة: إسرائيل تضرب النظام السوري لحماية الدروز من خطرٍ سنّي متطرّف كان يومًا مدعومًا ضمنيًا من أطراف عربية وغربية؟
الطائفة بين ثلاث جبهات
واقع الطائفة الدرزية اليوم أشبه بخارطة تمزّقها المصالح: في سوريا، يُنظر إلى الدروز ككتلة مستقلة، محايدة، ذات تقاليد عسكرية وحكمٍ ذاتي شبه فعليّ في السويداء، لكنها محاطة بأعداء من كل اتجاه: النظام، الجماعات المتطرّفة، الفقر، والعزلة.
وفي لبنان، يعيش الدروز في مأزق الهوية بين الولاء لتاريخ من الدم المشترك مع سائر اللبنانيين، وبين الخوف من تهميش آتٍ في النظام الجديد الذي قد يتشكّل على أنقاض الطائف.
وفي إسرائيل، يشارك الدروز في الجيش، ويتحدّر بعضهم من بلدات الجليل والكرمل، ويعيشون تناقضًا بين “الخدمة الإلزامية” و”الانتماء العربي”، بين “الولاء للدولة” و”الانتماء إلى الجبل”.
ولكن، ماذا لو أن هذا التشظّي أصبح بذرة توحيد؟
السيناريو الجيو-سياسي الجديد: اتحاد درزي؟
قد تبدو الفكرة ضربًا من التمنّي، وربّما من الوهم، لكنّ تطوّرات الأيام الأخيرة، واستثمار إسرائيل المكشوف في حماية دروز سوريا، تفتح الباب أمام سؤال جدّي: هل نسير نحو شكل جديد من “الكيانات الدينية الإقليمية”؟ وهل يصبح للدروز في المشرق العربي كيانهم الرمزي أو العملي، كما للأكراد مثلًا، أو كما يسعى المسيحيون في بعض المراحل لتثبيت خصوصيتهم في بعض الدول؟
أي كيان كهذا، إن وُلد، سيكون مرهونًا بثلاثة عوامل: الشرعية الدولية، التي يبدو أنها تتأرجح بين دعم الأقليات وحماية الاستقرار. والموقف اللبناني، خصوصًا في ظل هشاشة التوازنات الطائفية في بيروت. والقدرة على توحيد الصفوف داخليًا، وهو أمر معقّد في ظل اختلاف المرجعيات الروحية والسياسية للدروز في البلدان الثلاثة.
القصيدة كمرآة للمستقبل
نعم، القصيدة التي كُتبت في زمنٍ آخر، وفي سياق وجدانيّ بحت، قد تكون مرآةً دقيقة لما يحدث الآن. حين كتب والدي: “ربّما طاح بي الشوق إلى هذه الضفة المسكونة بالأشباح… ففتحتُ الذاكرة لقافلة الريح، وأطلقتُ سراح التاريخ، وزرعتُ نداءً أرجوانيًا في الغابات”… كان يُعلن، دون أن يدري، بدء الرحلة نحو انبعاث الطائفة من رمادها.
هي ليست طائفة تبحث عن عزلة، بل عن معنى. ليست أقلية متمسّكة بخوفها، بل شجرة جذورها في الجبل، وفروعها في التاريخ.
وأنا، حين أكتب هذه الكلمات، أمدّ “يدًا لا تخون الجنون الذي أنت تعرفه”، وأتأمل في “اللحظة الخارقة”، كما وصفها والدي. ربّما نصحو غدًا على شرقٍ أوسط جديد، يكون فيه نموذج الأقلية الدرزية في سوريا ولبنان وفلسطين التاريخية؛ أو إسرائيل، تجربةً تحتذى، لا عبئًا تُخشى تبعاته.
سلامًا إذًا يا عبد الرحمن الدرزي، وسلامًا لتلك اليد التي لا تخون.

Leave a comment