بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
منذ أربعة أيام، بدا الجنوب السوري وكأنه ينزلق مرة أخرى إلى أتون المجهول. محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، تحوّلت فجأة إلى مسرح دموي لصراع متعدد الأوجه، خلّف وراءه أكثر من 370 قتيلًا، قبل أن تتدخل معادلات النار الإقليمية والدولية لفرض وقف إطلاق نار بدا للوهلة الأولى هشًّا، لكنه رسّخ تحوّلًا لا يُستهان به في المعادلات السورية الكبرى.
لطالما نظر كثيرون إلى السويداء على أنها “الخاصرة المحمية” في سوريا، بحكم موقعها الجغرافي وتوازناتها الداخلية الدقيقة. لكنّ ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية جاء ليؤكّد أن تلك الصورة لم تكن سوى واجهة مؤقتة، تخفي تحتها تراكمات غضب، وتموضعًا شعبيًا جديدًا رافضًا لسلطة دمشق الجديدة وسلاحها.
ما إن بدأت القوات النظامية هجومها المدعوم بجماعات تكفيرية – يشتبه في أن بعضها على صلة وثيقة بأجهزة أمنية – حتى انطلقت المواجهات على نحو شرس، سرعان ما تحوّلت إلى معركة وجود بالنسبة لأبناء السويداء، الذين لم يترددوا في حمل السلاح والدفاع عن أرضهم. أربعة أيام كانت كافية لإغراق المحافظة بدماء أبنائها، وتسجيل واحدة من أكثر الحصائل دموية في الجنوب السوري منذ سنوات.
صمت الدولة وانسحابها… برعاية النيران الإسرائيلية؟
المثير في المشهد لم يكن فقط ضخامة الحدث، بل الطريقة التي انتهى بها. فصباح الأربعاء، وفي توقيت لافت، تعرّض مبنى هيئة الأركان العامة السورية في قلب دمشق لقصف جوي دقيق من قِبل سلاح الجو الإسرائيلي، وتلاه قصف آخر استهدف مواقع مختلفة في العاصمة. وصباح الخميس، انسحبت القوات النظامية والجماعات الموالية لها من السويداء، تاركة خلفها مشهدًا مفتوحًا على احتمالات عديدة.
تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم نفسه، بأن “إسرائيل فرضت وقف إطلاق النار في سوريا بالقوة”، أتى ليضع أكثر من علامة استفهام حول تزامن القصف مع الانسحاب. هل كانت الضربات رسالة واضحة من تل أبيب مفادها أن استمرار العمليات في الجنوب لن يُسمح به؟ وهل فهمت دمشق الرسالة على هذا النحو؟
في الوقت ذاته، حاول زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد التمايز عن الخطاب الرسمي، معتبرًا أن قصف دمشق كان “خطأً استراتيجيًا”. فهل ينطلق لابيد من هواجس داخلية بحتة، أم أن في تصريحه تحذيرًا مبطنًا من إغراق إسرائيل في صراعات قد تتجاوز قدراتها الاستخباراتية والدبلوماسية في المدى البعيد؟ من الصعب الجزم، لكن المؤكد أن الانقسام الإسرائيلي حول طبيعة الدور في سوريا بدأ يتكشّف علنًا.
السويداء على مفترق طرق… أم على حدود جديدة؟
بعيدًا عن مشهد الصواريخ والطائرات، كانت كلمات المرجعيات الروحية في السويداء أكثر تعبيرًا عن عمق التحوّل. في بيانات مقتضبة، دعت تلك المرجعيات إلى فتح الطرق المؤدية إلى المناطق الكردية شمال شرقي سوريا، وكذلك إلى فتح معبر حدودي مباشر بين السويداء والأردن، في خطوة فسّرها البعض على أنها مقدّمة لتكريس شكل من أشكال الاستقلال الذاتي، أو حتى الفدرلة الطائفية.
إنّ الدعوة لربط السويداء بمناطق الإدارة الذاتية الكردية تمثل، إذا ما تحققت، تحولًا جغرافيًا وسياسيًا جذريًا، يُخرِج المحافظة من “الحلقة الأمنية” التي فرضها النظام حولها، ويعيد وصلها بخريطة نفوذ بديلة أكثر مرونة، لكنها محفوفة بالمخاطر. أما الحديث عن معبر مع الأردن، فهو يطرح سؤالًا استراتيجيًا ثقيلًا: هل نشهد فعليًا ولادة كيان درزي شبه مستقل في الجنوب، له ممراته وحدوده وارتباطاته الاقتصادية الخاصة؟
هل بدأ تفكك سوريا رسميًا؟
لم تكن سوريا منذ العام 2011 دولة موحدة بالمعنى الكامل. لكنّ التطورات الأخيرة في السويداء جاءت لتؤكّد أن ما كان يُنظر إليه في السابق كمجرد مناطق نفوذ أمر واقع، بدأ اليوم يرتقي إلى مستوى “الكيانات الوظيفية”، التي تملك مقوّمات الحياة شبه المستقلة: من الحكم المحلي، إلى الدفاع الذاتي، فالعلاقات الإقليمية.
ولعلّ السؤال الذي يُطرح اليوم بجدّية أكبر من أي وقت مضى: هل بدأت مرحلة تقسيم سوريا فعليًا؟
التقسيم هنا لا يبدو كلاسيكيًا بحدود دولية مرسومة، بل أقرب إلى توزيع مناطق تأثير دائمة، تخضع كلٌّ منها لراعي دولي أو إقليمي مباشر أو غير مباشر.
زحمة التحوّل… والوقود الرمزي
قد يكون وقف إطلاق النار في السويداء نهاية مؤقتة للمجزرة، لكنه بلا شك بداية مرحلة جديدة في سوريا ما بعد “انتصار الثورة”، وما بعد الاحتلالات، وما بعد مشاريع إعادة التعويم. مرحلة تقتضي من جميع الفاعلين – المحليين والخارجيين – التفكير بعمق في الكلفة البشرية والجيوسياسية للمضي في لعبة النفوذ حتى النهاية.
في زحمة هذا التحوّل، يبقى الأمل معقودًا على أن لا يتحول أبناء السويداء – كما غيرهم من السوريين – إلى “وقود رمزي” يُستخدم في صراعات الجبابرة، ثم يُنسى. وربما يكون هذا الأمل هو آخر ما تبقّى لسوريا موحّدة، ولو على الورق.

Leave a comment