بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
لم تكن الأنباء المتداولة عن ضغط تمارسه الولايات المتحدة على إسرائيل لوقف تدخلاتها العسكرية في سوريا لتبدو منطقية قبل عام واحد فقط. فطوال العقد الماضي، بدت الساحة السورية عرضة لتقاطع النيران والمصالح، من دون أي محاولة أميركية جدية لفرملة النزيف. لكنّ المتغيرات الدراماتيكية التي عرفتها البلاد في الأشهر الأخيرة، بدءًا من فرار الرئيس السابق بشار الأسد إلى موسكو، مرورًا بانسحاب القوات الإيرانية، وصولًا إلى تسلّم أحمد الشرع رسميًا سدّة الرئاسة، دفعت بواشنطن إلى إعادة النظر في قواعد اللعبة.
اليوم، تطرح المصادر المقرّبة من الدوائر الأميركية تساؤلات لافتة: ما الذي تريده واشنطن من سوريا؟ ولماذا هذا الحرص المفاجئ على تحييد إسرائيل في الجنوب السوري؟ والأهم: ما الدور الذي تؤدّيه السعودية في هذه المرحلة الانتقالية الحسّاسة؟
من لقاء الرياض… إلى ملامح إعادة التموضع
الجواب الأوّلي يبدأ من الرياض، حيث التأم لقاء ثلاثي غير مسبوق الشهر الفائت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره السوري أحمد الشرع، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. اللقاء، وفق مصادر مطلعة، لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل شكّل نقطة ارتكاز لاتفاق مبدئي حول هندسة سياسية جديدة لسوريا ما بعد الأسد، تقوم على دعم إدارة مدنية-عسكرية هجينة بقيادة الشرع، وانخراط خليجي مباشر في مرحلة إعادة البناء.
تجلّى الأثر المباشر لهذا التحوّل في خطوة أميركية مفاجئة تمثّلت بشطب “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب، في إشارة واضحة إلى نية واشنطن قلب الصفحة، واحتضان الشرع دوليًا، بعد أن كان على رأس قائمة المستهدفين سابقًا حين كان يُعرف بأبو محمد الجولاني.
واشنطن: هندسة للفراغ وليس ملؤه فقط
الفرار المفاجئ لبشار الأسد إلى موسكو، وما تبعه من انسحاب إيراني شبه كامل من الساحة السورية، خلّف فراغًا هائلًا في البنية الأمنية والسياسية للبلاد. إلا أن هذا الفراغ لم يُترك للمصادفة. إذ سرعان ما بدأت ملامح استراتيجية أميركية جديدة تتشكّل، قوامها:
أولًا، احتواء الجنوب عبر دعم السلطة المركزية الجديدة: وفي هذا السياق، تكشف مصادر مطلعة عن مفاوضات تجري برعاية أميركية لتمكين قوات الأمن العام السورية، التابعة لإدارة الشرع، من الانتشار في محافظة السويداء، بما يضمن التهدئة ويقطع الطريق على أي عودة فوضوية.
ثانيًا، لجم الدور الإسرائيلي بوسائل سياسية: للمرة الأولى، تُمارس واشنطن ضغطًا مباشرًا على تل أبيب لوقف ضرباتها في الجنوب السوري. ويبدو أن الهدف لا يقتصر على حماية القوات الحكومية، بل يتعدّاه إلى تثبيت شرعية الحكم الجديد أمام الرأي العام المحلي والدولي.
ثالثًا، ترسيم سوريا كمنطقة نفوذ “منزوع السلاح الإيراني”: بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الموجعة التي استهدفت عمق الأراضي الإيرانية قبل أيام، بات واضحًا أن الرسالة قد وصلت: لا عودة لإيران إلى سوريا، لا عبر ميليشيات، ولا عبر غطاء سياسي، ولا حتى عبر أذرع استخباراتية.
ماذا يعني كل ذلك لإسرائيل؟
إسرائيل، التي لطالما نظرت إلى سوريا بوصفها خاصرة رخوة لإيران، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مربك. فالعدو التقليدي انسحب، والحليف الأميركي بات يدعم خصمًا سابقًا – أحمد الشرع – تحت لافتة “الاستقرار الضروري”. لذا، فإن موافقة تل أبيب على دخول محدود للقوات السورية إلى السويداء، وفق ما أشارت إليه تقارير إعلامية الجمعة، لا تُقرأ إلا في سياق اضطرارها للتكيّف مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة.
وبينما تحاول إسرائيل امتصاص الصدمة، يبدو أن الإدارة الأميركية تركّز جهودها على إعادة رسم خريطة النفوذ بحدود واضحة: الشرع في دمشق، السعوديون في الواجهة الإقليمية، وواشنطن في خلفية المسرح كعرّاب جديد للسلام البارد.
في الختام: ماذا يُراد لسوريا أن تكونه؟
من الواضح أن واشنطن لا تسعى فقط إلى “تثبيت حكم جديد” في دمشق، بل إلى استخدام سوريا كمختبر لإعادة ضبط الشرق الأوسط. فالتجربة الشرعيّة التي يمثلها أحمد الشرع، الآتي من ماضٍ جهادي إلى حاضر سيادي، قد تكون النموذج الذي يُختبر اليوم، وربما يُصدَّر غدًا إلى ساحات أخرى.
لكنّ السؤال الذي يبقى بلا جواب: هل تمتلك هذه الصيغة القدرة على الصمود في وجه التاريخ الدموي لسوريا؟ أم أن ما يُراد له أن يكون إعادة ولادة، قد ينقلب، في لحظة ما، إلى انتكاسة كبرى في حال لم تُواكب الإصلاحات الأمنية بحوكمة سياسية شفافة؟
في الانتظار، تمضي واشنطن في هندسة الغد السوري، بينما تنكفئ طهران، وتصمت موسكو، وتعيد إسرائيل حساباتها.

Leave a comment