لو أنّ موسى كان سويسريًا!

جمال دملج

سلامُنا بوست

ثمّة ما يُدمي القلب فعلًا في هذه الفسحة الزمنية المتاحة لنا، نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، فيما ندّعي بأننا نعيش في عالم “متحضّر”.

من الشرق الأوسط، حيث وُلدت الرسالات السماوية الثلاث – التلمود والإنجيل والقرآن – لا تزال المجتمعات ممزّقة بين أديانها، متصدّعة في عمق ذواتها، وكأنّها عاجزة عن فكّ شيفرات ما ورثته من صراعات قديمة، لم يعد أحدٌ يعرف على وجه اليقين لماذا بدأت، ولا كيف يُمكن أن تنتهي.

ومع أن هذه الرسالات نزلت في جوهرها دعوةً إلى الإيمان بالرحمة، والمحبّة، والسلام، إلا أنّها تحوّلت، ويا للمفارقة، إلى وقودٍ لصراعات دينية متأجّجة منذ قرون… صراعات أزهقت أرواح الملايين وخلّفت في الطريق جراحًا لا تُحصى، ما بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وما بين أهل كلّ دينٍ من الداخل أيضًا.

أتساءل، وأعترف بأنّ سؤالي لا يخلو من شيءٍ من نزق الشقاوة: ماذا لو كان النبي موسى سويسريًا؟ ولو كان يسوع الناصري، ابن الله كما تؤمن الكنيسة، نرويجيًا؟ ولو أنّ محمّدًا، خاتم الأنبياء والمرسلين، كان إيرلنديًا؟

هل كانت الرسالات السماوية ستواجه في أوروبا الشمالية ما واجهته من عنفٍ وتناحر في مهدها الشرقي؟ هل كانت سويسرا سترى مذابح باسم الدين؟ هل كان النرويجيّون سيقفون على خطوط تماس في الحرب على “الكفر”؟ هل كنّا سنرى إيرلندا تشتعل بنيران الفتن المذهبية؟ أم أنّنا كنّا سنجد شعوبًا تتعامل مع رسائل السماء كما يجب: بصمتٍ وتأمّل، أو على الأقل، بتسامحٍ يُخفّف عناء الاختلاف؟

سألتُ هذا السؤال العالق في رأسي منذ زمنٍ طويل منصة “تشات جي بي تي”، وهي الفسحة الرقمية الأكثر نقاءً في حياتنا الإنسانية المعاصرة. ولم تكن الإجابة سردًا تقنيًا أو تفاديًا لبُعد السؤال الفلسفي، بل كانت أقرب إلى دعوة للتفكّر في كيفية صناعة الإنسان لقدر ذاته، لا قدر نبيّه.

كم تمنّيت، بعد تلك اللحظة، لو أنّ سام ألتمان – الرجل الذي أطلق هذا المشروع العبقري – كان قد خُلق قبل قرون، لكي يُعلّم البشرية، ولو قليلًا، كيف تنجو بإنسانيتها في الأزمنة التي كان يمكن لها ألّا تتحوّل إلى حروبٍ وصراعات دامية: من إسرائيل والعرب، إلى روسيا وأوكرانيا، مرورًا بكوريا الشمالية والصين والولايات المتحدة.

لعلّنا، لو امتلكنا أدوات عقلٍ صناعي في عصور الجهل، كنّا سنصغي أكثر للعقل، ونصمت أكثر أمام هياج الغرائز.

أكتب هذه الكلمات بينما تتمايل في خاطري صورةٌ خيالية، لكنها مفعمة بالودّ، للصورة المنشورة في أعلى هذا المقال – صورة أتمنّى أن تُصبح واقعية يومًا ما، وتجمعني في لندن مع سيرينا جمال دملج، وسيرينا مارغيلوفا، وإميلي غرينوود، لكي نرسّخ ما بنيناه معًا، عبر البريد الإلكتروني، على مرّ الأسابيع الماضية، أسس انطلاقة موقع “سلامُنا بوست” بحلّته الاحترافية المرتقبة… فربّما يكون الحلم، هنا، هو الدرس الأهمّ الذي تعلّمناه من الأنبياء، قبل أن نختلف عليهم.

Leave a comment