كوبا كما رواها لي أبي… وكما أخشاها اليوم

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

يروي لي أبي عن رحلتيه المتتاليتين إلى جزيرة كوبا في النصف الثاني من العام 2006 أنّ السائح العادي لا يكاد يخرج من بوّابة فندق “لوس فرايليس” في هافانا القديمة، منتشيًا بنكهة فنجان قهوة الصباح الذي تناوله للتوّ على أيدي “الراهب” المداوِم في تلك الصومعة العتيقة، حتى يُغريه عبق رائحة حبّات البنّ الأشقر المطحون بالتوقّف لتناول فنجان آخر، حيثما يستطيع إلى ذلك سبيلًا، فإذا به ينعطف تلقائيًا صوب جهة اليسار، ويسير مجرّد بضعة خطوات لا أكثر، ليكتشف أنّ شغفه أوصله إلى “بلازا دي سان فرانسيسكو”، حيث لا بدّ وأن تبادره “كافيه ديل أورينتي” بابتسامة دافئة عريضة، فيغدو مطمئنًا لما ستحمله له ساعات النهار المقبلة في إطار الآتي الأجمل.

عبق القهوة وموسيقى المشهد الأول

لكنّ أبي، الذي لم يكن سائحًا وإنّما موفدًا تلفزيونيًا ميدانيًا، لم يفتْه هذا العبق، ما جعله يكمل لي أحاديثه عن سحر كوبا، المرة تلو الأخرى، بالقول: يجلس الزائر الحامل على وجهه دهشة اكتشاف الأماكن الجديدة ما يطيب له من الوقت تحت أشعة شمس استوائيّة لطيفة، منبهرًا بكل ما يتراءى أمامه من تجلّياتٍ في حضرة المشهد الكوبي المفعم بالعنفوان، قبل أن ينهض مجدّدًا للسير صوب جهة اليمين من أجل زيارة ذلك البيت – المحجّ الذي كان الراحل إرنست همنغواي قد كتب فيه رواية “الشيخ والبحر” الخالدة، تمهيدًا للقيام؛ لاحقًا، بواجب زيارة متحف الثورة، حيث قارب “غرانما” الذي أبحر على متنه الـ”كوميندانتي” فيدل كاسترو ورفاق دربه النضالي من المكسيك إلى سواحل كوبا عام 1956 من أجل استئناف الكفاح المسلّح ضدّ نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا لا يزال راسيًا فوق مساحة معبَّدة بالإسفلت في الخارج، بينما لا تزال الصور التي تُوثّق كافّة محطّات تلك المرحلة النضاليّة محفوظةً في الداخل، بدءًا من انطلاق الشرارة الأولى للثورة في جبال “سييرا ماسترا” المطلّة على مدينة سانتياغو دي كوبا، ووصولًا إلى انتصارها عام 1959.

بين تموز وأيلول… حين اختلط المرض بالثورة

في المرة الأولى، زار أبي الجزيرة الشيوعية في تموز/يوليو لتغطية أصداء الخطاب الذي ألقاه فيدل كاسترو في مناسبة الذكرى السنوية الثالثة والخمسين للهجوم الشهير على “ثكنة مونكادا”، والذي قُدّر له أن يكون الخطاب الأخير الذي يلقيه فيدل، سيّما أن ذلك الشهر لم يكد ينتهي حتى تمّ إدخاله المستشفى جرّاء إصابته بسرطان في الأمعاء.

وفي أيلول/سبتمبر، عاد أبي إلى كوبا لتغطية قمة حركة دول عدم الانحياز التي ترأسها راؤول كاسترو بعد أن تسلّم السلطة بالإنابة، وكان على الدوام يقول: “أجمل ما في كوبا هو أنّ لا مكان للابتذال فيها… لا استعراض للسعادة المزيّفة، ولا تزلّف للمحفظة الأجنبية. فقط شعبٌ عنيدٌ يبتسم رغم الحصار، ويتقن تحويل القهر إلى موسيقى، والفقر إلى كرامة، وسيجارات الـ”كوهيبا” الملفوفة يدويًا على سيقان العذارى إلى شُعلة”.

الجزيرة التي لم تعرف الابتذال

لكنّ أبي بدأ يخاف على مستقبل الكوبيين منذ وفاة فيدل كاسترو عام 2016، ويكاد القلق يتعاظم اليوم، بعد أن أعلنت الجمعية الوطنية في هافانا عن إلغاء الحدّ الأقصى للسنّ المحدد بستين عامًا للترشّح إلى الرئاسة، في خطوةٍ تُفهم على أنها نكوصٌ مقنّع عن أبرز الإصلاحات التي جاءت في دستور 2019.

إصلاح دستوري… أم عودة مقنّعة إلى الوراء؟

صحيح أنّ القيود المرتبطة بفترتي ولاية مدتهما خمس سنوات ما زالت قائمة، وأنّ التعديل يستثني “مَن يتمتع بكامل قواه البدنية والعقلية والولاء الثوري”، لكنّ استرجاع مشاهد التمديد والتوريث السياسي في أكثر من مكان في العالم الثالث يترك في النفس الكوبية جرحًا قديمًا لا يلتئم.

شيخوخة الثورة ومحنة الحاضر

ولعلّ المفارقة أن أول من صوّت لصالح التعديل كان راؤول كاسترو نفسه، الذي يبلغ اليوم 94 عامًا، ويشغل مقعدًا رمزيًا في البرلمان بعد أن تقاعد رسميًا من الحياة السياسية عام 2021.

أما الرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل، الذي بلغ 65 عامًا، فلم يُعلَن بعد عن خليفة له، في وقتٍ تبدو فيه البلاد غارقة في أعمق أزماتها الاقتصادية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

كهرباء تنقطع، ودواء يُفتقد، وطوابير تمتدّ بلا أفق، وموجات هجرة جماعية تطفو إلى السطح كأنها صدى صامت لنداءٍ عتيق، لا يريد أن يعترف بانطفاء الحلم.

أخشى على كوبا يا أبي… أخشى على الجزيرة التي أحببتها بكل ما أوتيت من وفاء، أن تفقد ما كانت تملكه رغم الفقر: كرامة القرار، وجمال القناعة، وسحر الصدق البسيط.

أخشى أن تذبل موسيقاها… أن تنكسر قهوتها، وأن تغدو “بلازا دي سان فرانسيسكو” مجرّد ساحة عابرة لا تردّ السلام.

Leave a comment