جمال دملج
سلامُنا بوست
مناجاةُ أمّ الدنيا، البهيّة – الصبيّة التي شاب الزمان وهي لا تزال شابّة، لا يليق لها أن تبدأ إلّا إذا باشر المرء استرساله في العبق المصري الأصيل، بدءًا من خان الخليلي في القاهرة، حيث لفضاءات الذاكرة دائمًا سحرُ نجومٍ ونيازكَ وكواكبَ تتألّق بنورها سماواتُ الأيام وما تحت أفلاكها.
في ذلك الركن الأصيل، يصبح وحْي الماضي سِفرَ تكوينٍ للحاضر والمستقبل، ولغةَ تَخاطُبٍ بين ذهولِ المحتمَل الصعب وبهجةِ الممكن المتوهّج. وهناك، يتحرّر ظرف الزمان من قيود الأزمنة القاسية، ويسقط ظرف المكان عن وجهه أقنعةَ الأماكن المستحيلة، لتبقى صفحات دفتر العمر مشرّعة على الدوام أمام أحلى الصُدف وأرقى الاحتمالات.
عندما تُهدي الحضارة معشوقتك قصرًا وحديقة
وإذا كان الموروث الثقافيّ في معظم دول العالم المستنير زاخرًا بمئات الحكايات التي تعكس توق الإنسان إلى الفردوس الأرضي عبر صور القصور والجنائن والفضاءات السحرية التي يحلم العاشق بإهدائها لمعشوقته، فإنّ ما يتفرّد به الموروث المصريّ، على وجه الخصوص، هو تلك الحكاية النادرة التي انتصرت فيها “قوّة الحبّ” على نذائر “حبّ القوّة”.
إنها قصةٌ رومانسيّةٌ متكاملة الفصول، حوّلت الأحلام الوردية الكامنة في اللاوعي إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع. عنوانها العريض: الخديوي إسماعيل، خامس حكّام مصر من الأسرة العلويّة، وعشقه النبيل للإمبراطورة الفرنسية أوجيني دي مونيتو كوتيسه. ففي العام 1869، قبيل افتتاح قناة السويس، شاد لها قصر الجزيرة وحديقة الجبلاية في الزمالك – في لفتة رمزية ملؤها العشق والتقدير – وفاءً لحبّه القديم الذي نشأ حين كان طالبًا في باريس، قبل زواجها من الإمبراطور نابليون الثالث.
عطر القصيدة في قصر الجزيرة
كأنّ الخديوي استهدف من وراء تشييد القصر أن يناجيها، كما قُدّر لي أن أكتبه لاحقًا في إحدى قصائد ديواني مرابع عشق (2015): “مُرّي قليلًا كي يغار الورد من عطرٍ يسافر مع أريجك في فضاء الذاكرة… مُرّي قليلًا كي يفوح البوح في عمرٍ يُعاكس كلّ أهوال الرياح الثائرة… مُرّي قليلًا واضحكي، حتّى يصير النور ظلًّا للقمر… مُرّي قليلًا وافرحي، من قال إنّ العشق تقلعه عواصف، من قال إنّ الشِعر يمحيه مطر”.
وقد تسنّى لي شخصيًا، خلال فترة إقامتي في قصر الجزيرة – الذي تحوّل لاحقًا إلى فندق “ماريوت – الزمالك” – أن أعايش أصداء تلك الحكاية. فقد نبض الزمن هناك عشقًا راقيًا على إيقاع تكتكات الثواني، واختلط عبق التاريخ بعطر اللحظة، حتى بدا أن جدران المكان نفسها تحفظ خفقات لغةٍ لا يفهمها إلّا العشّاق.
دروس من التاريخ… حين ينتصر العشق على الاستعراض
ورغم تبايُن الآراء المصريّة اليوم حول مدى حكمة التكلّف والبذخ في مراسم استقبال الخديوي لضيوفه، وفي مقدّمهم أوجيني، فإنّ العِبرة الأسمى من هذه الحكاية ليست في مظاهرها، بل في جوهرها العاطفيّ والثقافيّ؛ إذ تذكّرنا ببديهيّةٍ يغفل عنها الكثيرون: أنّ طقوس العشق الأصيل، حين تتجذّر في الوعي واللاوعي، تتفوّق دومًا على حسابات السلطة والقوّة.
مصر اليوم… بين مخططات الإخوان وتوق العشّاق
أستحضر هذه القصّة اليوم، في الوقت الذي أعلنت فيه السلطات المصريّة عن إحباط مخطّطٍ جديد لحركة “حسم” التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الخارج، كان يستهدف الأمن والاستقرار في البلاد.
أتساءل، ببراءة لا تخلو من ألم: أما آن للمصريّين، بعد ثورة 25 يناير، وبعد تجربة حكم الإخوان، وبعد استعادة الاستقرار في عهد الرئيس عبد الفتّاح السيسي وبدعم الجيش الوطني، أن يستعيدوا تلك الروح المشرقة التي جعلت “قوّة الحبّ” قادرة على إخماد نيران “حبّ القوّة”؟
ربما لا يزال الوقت سانحًا… لكن، من يدري إلى متى؟
وفي الختام، إنّ خان الخليلي، بتاريخه ودفئه وبساطة روحه، يهمس دائمًا بأنّ مصر لا تموت، وأنّ النور، مهما اشتدّت العواصف، يبقى قابعًا خلف الغيوم. المهمّ أن نبحث عنه، وأن نؤمن بأنه هناك… في قلب أمّ الدنيا.

Leave a comment