هل تغيّر واشنطن سياساتها من بيروت تجاه دمشق؟

بقلم: سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

ليست المواقف الأميركية المعلنة تجاه سوريا جديدة في جوهرها، ولكن توقيتها ولهجتها المستجدّة يوحيان بأن ثمة ما يتحرّك في العمق. فيوم الإثنين، ومن بيروت تحديدًا، صرّح المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بأنه “يجب محاسبة الحكومة السورية” على خلفية الاشتباكات الدامية في محافظة السويداء. وقال أيضًا إن بلاده تحاول “معالجة فشل وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان”، في إشارة مزدوجة إلى هشاشة الجبهات من جهة، وإلى تداخل الأزمات من جهة أخرى.

لكنّ الأهم في هذا التصريح أنه بدا وكأنه محاولة لتصحيح انطباعات سابقة أثارت استياءً واسعًا، لا سيما في لبنان، حين ألمح باراك – قبيل اندلاع أحداث السويداء – إلى احتمال عودة لبنان إلى “بلاد الشام”، بطريقة أوحت بأنه قد يُدرج ضمن مساحة النفوذ السوري مجددًا، وهي عبارة لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام لدى شعب دفع ثمنًا باهظًا للخروج من نفق الهيمنة.

من بيروت… رسالة تصحيح أم تصعيد؟

اليوم، إذًا، تحاول واشنطن ترميم خطابها. في أعقاب التصعيد الدامي في السويداء، وما ولّده من قلق شعبي وموجة نزوح وارتباك أمني، خرجت الإدارة الأميركية بلغة أكثر حدة، داعية إلى حماية المدنيين، ومطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، حتى لو كانوا من ضمن التشكيلات التي يفترض أنها تتبع “الحكومة الجديدة” برئاسة الرئيس أحمد الشرع.

وهنا، نبدأ في التلمّس لما هو أبعد من ردّ فعلٍ على حادثة معزولة، وصولًا إلى ما يمكن تسميته بـ”إعادة تموضع خطاب واشنطن” تجاه دمشق. ذلك أن التصريحات الأميركية الأخيرة تتخلى – ولو جزئيًا – عن غموضها الاستراتيجي التقليدي، لتتحدث بصراحة عن مسؤولية الدولة، وعن ضرورة التحقيق في سلوك وحدات مسلحة ارتكبت تجاوزات بحق المدنيين، وتحديدًا من أبناء الطائفة الدرزية، الذين يشكّلون عماد الحضور الاجتماعي في جبل العرب.

من السويداء إلى واشنطن: لحظة اختبار للنظام السوري الجديد

بالنسبة إليّ، كمتابعة دقيقة لهذا الملف منذ سنوات، فإن رسائل واشنطن الأخيرة لا يمكن قراءتها فقط من بوابة حقوق الإنسان أو أخلاقيات الحرب، بل يجب النظر إليها كاختبار سياسي مزدوج: اختبار لواشنطن نفسها في جدّية تغيير مقاربتها، واختبار للرئيس الشرع في مدى استعداده لتحويل سردية “ترميم الدولة” إلى واقع فعلي لا تقتصر فيه السلطة على إعادة بناء الجدران، بل تشمل أيضًا إصلاح السلوك الأمني، والانفتاح على الأطياف المختلفة، وضمان الحقوق والمساءلة.

بين واشنطن وتل أبيب… تباين الحسابات في الجنوب السوري

وما يزيد المسألة تعقيدًا أن هذه التطورات تتقاطع مع المواقف المتباينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي حين تصرّ تل أبيب على ضبط أي ترتيبات أمنية جنوب سوريا بما يضمن أمنها المباشر، تبدي واشنطن اهتمامًا متزايدًا بضمان حقوق المكوّنات السورية، وخصوصًا في المناطق الحدودية. وقد لا يروق هذا التباين لحلفاء الطرفين، لكنه يشي بتحوّلات دقيقة في طبيعة التفاهمات.

بالمقابل، يبدو الرئيس أحمد الشرع وكأنه دخل فعليًا مرحلة “الاختبار الجدّي”، حيث لم تعد النوايا كافية، بل بات عليه أن يثبت قدرته على ضبط الأوضاع، وفرض احترام القانون، وإظهار أن “الحكم المدني” ليس مجرد شعار مرحلي.

لبنان الرسمي… على هامش الأزمة أم في قلب التحوّل؟

ويحق للبنان الرسمي، في ظل هذه التحولات، أن يطرح تساؤلًا محوريًا: هل يمكنه الاستفادة من هذه اللحظة؟ ربّما نعم. فإعادة تموضع واشنطن، إن تأكّد، قد تتيح له مساحة أوسع لحماية خصوصيته، بدل أن يُعاد زجّه قسرًا في معادلة “بلاد الشام الكبرى”، أو أن يُترك وحيدًا في مرمى النيران الإسرائيلية.

ومع أن الإجابة لا تزال غير محسومة، إلّا أن زيارة توم باراك الحالية لبيروت قد تُنذر بجواب قريب، أو على الأقل بمؤشرات أكثر وضوحًا. فالتبدلات لا تأتي دفعة واحدة، لكنّها تبدأ غالبًا بإشارات دقيقة، كهذه التي تبرق من على جبهة السويداء.

أحمد الشرع أمام التحدي: ترميم الدولة أم إدارة التصدّع؟

الجنوب السوري، إذًا، لا يشكّل فقط امتحانًا للداخل السوري، بل هو أيضًا مرآة لتحوّلات الخارج. وإذا ما التُقطت الرسائل جيدًا في دمشق، فقد يشكّل المشهد برمّته فرصة لإعادة رسم العلاقة مع واشنطن على أساس جديد: علاقة تتجاوز لغة العقوبات والقطيعة، لتؤسس لواقع مختلف، وإن كان محفوفًا بالمخاطر، لكنه – في أقل تقدير – واقعي وأكثر التصاقًا بمصالح السوريين، لا بمصالح أمراء الحرب.

هل نحن أمام تحوّل نوعي في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه ردّ فعل عابر على أزمة محددة؟

سؤال لن يجيب عليه سوى الزمن… لكن المؤشرات الأولية تضعنا أمام لحظة سياسية تستحق التأمّل، وربما الاستعداد.

سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط

Leave a comment