روسيا لا تتوقع تقدمًا كبيرًا في المفاوضات مع أوكرانيا… فإلى أين تتجه الحرب؟

بقلم: إميلي غرينوود

سلامُنا بوست

كثيرًا ما تُصاغ عناوين الأخبار بنبرة متفائلة عند الحديث عن مفاوضات مرتقبة، لكن الموقف الروسي المعلن عشية اللقاء المزمع مع أوكرانيا في تركيا جاء باردًا، حاسمًا، وربما مخيبًا لآمال المتابعين.

حين قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن “لا شيء يدعو إلى توقع إنجازٍ مثل المعجزات”، لم يكن فقط يخفّض سقف التوقعات، بل كان يُرسل رسالة أعمق، فحواها: روسيا لا تفاوض من موقع ضعف، بل من موقع تصميم.

لقد اعتدنا أن نقرأ بيانات الدبلوماسيين بلغة مزدوجة، لكن عبارة بيسكوف: “نعتزم الدفاع عن مصالحنا وتنفيذ المهام التي حددناها من البداية” تكشف عن شيء أبعد من مجرد موقف تفاوضي متصلب. إنها تعبير عن إصرار استراتيجي، يرفض التراجع حتى في ظل استنزاف الحرب الطويل.

كييف تبحث عن وقف للنار… وموسكو تكتفي بالصمت

في المقابل، يواصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي محاولاته لإحياء مسار وقف إطلاق النار، وآخرها عرضه عقد جولة جديدة من المحادثات في تركيا. ليست هذه الدعوة جديدة في مضمونها، لكنها تعكس مناخًا عامًا من الإرهاق العسكري والسياسي، داخليًا ودوليًا.

أوكرانيا، التي ما تزال تستمد زخم صمودها من دعم غربي واسع، تدرك أن الشتاء المقبل قد يكون أكثر قسوة من سابقه، خاصةً في ظل المؤشرات الأوروبية التي توحي بتراجع الحماسة الشعبية والبرلمانية لمزيد من الدعم المفتوح.

لكن هل يملك زيلينسكي أوراقًا تفاوضية جدية؟ لا تبدو الإجابة واضحة، لا سيما أن روسيا لم تُبد أي استعداد للتخلي عن مطالبها الأساسية، وفي مقدّمتها “تحييد” أوكرانيا و”الاعتراف بضم القرم” و”التعامل مع وضع الأقاليم الشرقية كملف منتهي”.

النووي يعود إلى أوروبا… ورسائل ناتو تتقاطع مع موسكو

على هامش هذه المحادثات الباردة، جاءت تطورات أكثر سخونة من غرب أوروبا. فقد كشفت صحيفة “التايمز” عن أن الولايات المتحدة أعادت نشر أسلحة نووية في قاعدة ليكنهيث البريطانية، في سابقة لم تحدث منذ عام 2008.

وبعيدًا عن الغموض الرسمي الذي تلتزمه وزارتا الدفاع الأميركية والبريطانية، رصد المحللون دلالات قوية: أولاها أن الطائرة التي أقلّت الشحنة النووية المحتملة لم تُغادر القاعدة فورًا، وثانيها أنه تم فرض قيود جوية صارمة في توقيت الهبوط، وثالثها أن الرحلة أتت من قاعدة تُعرف بأنها أحد أهم مخازن الرؤوس النووية الأميركية.

إنها ليست مجرد “عودة تقنية للأسلحة النووية”، بل تطوّر نوعي في تموضع الردع الأميركي داخل أوروبا، خصوصًا في سياق قراءة موسكو المتكرّرة لتحركات الناتو باعتبارها توسعية وعدائية.

من هنا جاء تصريح بيسكوف الثاني الذي حمل لهجة أكثر تحذيرًا: “نرى اتجاهًا نحو تصعيد التوتر، نحو التسلح، بما في ذلك التسلح النووي”.

وليس من قبيل المصادفة أن صحيفة “التلغراف” كانت قد ألمحت قبل أسابيع إلى “مهمة نووية مرتقبة”، قبل أن تتسرب وثائق أميركية تؤكد – وإن عن غير قصد – الاتجاه نفسه.

فشل السلام أم تحضير لحرب طويلة؟

ما بين الجمود التفاوضي والعودة النووية الأميركية إلى قلب أوروبا، تبدو الصورة قاتمة أكثر من أي وقت مضى. فإذا كانت الحرب الروسية – الأوكرانية قد بدأت من بوابة توسع الناتو شرقًا، فإن إعادتها إلى عمق الاستراتيجية النووية الغربية تجعل نهايتها أكثر تعقيدًا، وأقل خضوعًا للمبادرات السياسية التقليدية.

صحيح أن تركيا تحاول تقديم نفسها مجددًا كوسيط مقبول من الطرفين، لكن خريطة النفوذ الجديدة – لا سيما بعد تزايد الدعم الصيني الضمني لموسكو، وامتعاض أطراف أوروبية من تراجع القدرات الأميركية في ضبط الإيقاع الدولي – تجعل الوساطات مجرّد محاولات للتأجيل وليس للحل.

إلى أين تتجه الحرب إذًا؟

إذا اعتمدنا ما يقوله الكرملين بصدق، فإن موسكو لا ترى في المفاوضات المرتقبة سوى فرصة لتسجيل موقف، لا لتحقيق انفراجة. وإذا أخذنا ما تقوله الصحافة الغربية على محمل الجد، فإن الناتو يعيد ترتيب بيته النووي في أوروبا، ليس لردع موسكو فقط، بل لاحتمال أسوأ: مواجهة مباشرة أو طويلة الأمد معها.

في هذا السياق، تتجه الحرب نحو “جمود متحرّك”، أي أنها لا تشهد تقدمًا استراتيجيًا حاسمًا، لكنها لا تتراجع أيضًا. تتآكل الأطراف، تتحول الخسائر إلى أرقام، وتصبح التسويات السياسية مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

وفي انتظار “المعجزة” التي لا يؤمن بها بيسكوف، سيبقى العالم معلقًا ما بين مفاوضات لا تؤدي إلى شيء، وصواريخ قد تنطلق من قواعد اعتقدنا أنها أُغلقت ذات يوم.

إميلي غرينوود – صحفية بريطانية مستقلة وباحثة في شؤون السلام العالمي

Leave a comment