سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
حين انتُخب فلاديمير بوتين رئيسًا لروسيا الاتحادية في آذار/مارس عام 2000، بعد أن أمضى ثلاثة أشهر بصفة رئيس بالإنابة، لم يكن ظهوره على مسرح السياسة الدولية اعتياديًا. ففي أول تصريح رسمي له، قال: “إن روسيا دولة ما زالت تملك الكثير من عناصر القوة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخرين، لا ضدهم، من أجل بناء عالمٍ متعدد الأقطاب”.
كلماتٌ رنّانة، خُيّل لجيلي، نحن أبناء “التحوّلات المستحيلة” في نهايات القرن العشرين، أنها تعلن ولادة روسيا جديدة ــ قوية، حكيمة، ومتصالحة مع ذاتها والعالم. لكن، وبعد ربع قرن تقريبًا، تبدو تلك الكلمات أشبه بظلالٍ باهتة لوعود لم تُزهر.
من “أفغانستان” إلى “كييف”… والمسار واحد
المفارقة أن الأخطاء الكبرى في الإمبراطوريات لا تبدأ بقرارات عسكرية مفصلية، بل بإصرار قادتها على إنكار مآلات تلك القرارات. واليوم، يصف محلّلون غربيون كثر إصرار الرئيس بوتين على مواصلة حربه في أوكرانيا، ورفضه القاطع لأي تسوية، بأنه “الخطأ الجيوستراتيجي الأعظم الذي ترتكبه روسيا منذ عقود”، ليس فقط لأنه يستنزف طاقتها الاقتصادية والعسكرية، بل لأنه يعيد فتح الجراح القومية القديمة التي لطالما خشي منها الكرملين: التفكك من الداخل.
في عام 1979، غزت موسكو أفغانستان بثقة العظماء، لكنها انسحبت بعد عشر سنوات مثقلةً بـ15 ألف قتيل وصدمة حضارية ضربت عمق المؤسسة العسكرية. وفي بداية الثمانينيات، فرضت القيادة السوفييتية الأحكام العرفية في بولندا لإسكات “نقابة تضامن”، لكنها أطلقت من حيث لا تدري شرارة سقوط النظام الشيوعي برمّته.
واليوم، يُحذّر جنرالات سابقون في الغرب، من بينهم الفريق المتقاعد بن هودجز، من أن ما يحدث في أوكرانيا “قد لا يكون سوى بداية النهاية لروسيا الاتحادية”.
قوى الطرد المركزي تعود إلى الواجهة
ما يُقلق صانعي القرار ليس الخسائر العسكرية وحسب، بل تحوّل الحرب إلى عامل تفجير داخلي. فروسيا، بما تضمه من جمهوريات وأقاليم غير متجانسة قوميًا وثقافيًا، لم تكن يومًا دولة طبيعية بمقاييس الاستقرار المؤسساتي، بل كيانًا أمنيًا متماسكًا بقبضة مركزية محكمة. واليوم، ومع تصاعد “قوى الطرد المركزي” داخليًا، تعود الأسئلة المصيرية لتفرض نفسها: هل يمكن لروسيا أن تظل موحدة في ظل اقتصاد منهك، وعزلة جيوسياسية متزايدة، وتذمّر اجتماعي مكتوم؟
تشير استطلاعات “مركز ليفادا”، وهو آخر مركز مستقل في روسيا، إلى أن 64 في المئة من المواطنين باتوا يفضلون التوجّه نحو مفاوضات سلام، بينما تراجع المؤيدون لمواصلة الحرب إلى 28 في المئة. هذه الأرقام لا تعني قرب التغيير السياسي بالضرورة، لكنها تعكس تحولًا واضحًا في المزاج العام.
هل أخطأ بوتين… أم أن الغرب لم يُحسن الإصغاء؟
في سياق اللوم، لا يمكن اختزال كل ما آلت إليه الأمور في شخص بوتين وحده. نعم، يتحمّل الرئيس الروسي مسؤولية كبرى في اتخاذ قرارات انعزالية، وفي توجيه البلاد نحو سياسات استنزافية، لكنه لم يتحرك في فراغ.
لقد تعامل “الآخرون”، أولئك الذين دعاهم إلى الشراكة في بناء عالم متعدد الأقطاب قبل 25 عامًا، بتوجّس وازدراء حيال كل مبادرة روسية، حتى ولو جاءت مغلفة بخطاب التعاون. قُوبلت تطلعات روسيا الجديدة بالتوسّع الأطلسي شرقًا، وبسياسات الاحتواء لا الاحترام. فهل كان طبيعيًا أن ترد موسكو ــ التي لم تُشفَ بعد من عقدة الانهيار السوفييتي ــ بشيء من العدوانية والتشبّث؟
ربما لم يأخذ الغرب بوتين على محمل الجد يومًا، وربما لم يُحسن بوتين بدوره اختيار لحظات المواجهة، لكن الحقيقة تبقى أن كليهما قد أسهما في إيصال روسيا إلى حافة الهاوية.
إلى أين تذهب روسيا الآن؟
يتحدث الصحافي البريطاني أوين ماثيوز عن أن روسيا تعيش اليوم على “الوقت المستعار”، إذ ارتفع العجز في الموازنة إلى 15 في المئة من الناتج المحلي، فيما تهاوت أسعار النفط بنسبة 35 في المئة، وتستعد المصارف الروسية لطباعة نحو 15 تريليون روبل ــ أكبر كمية منذ تضخم التسعينيات.
الاقتصاد يتداعى، والانعزال يتفاقم، والثقة الشعبية تتآكل. فهل سنشهد في السنوات المقبلة تكرارًا لنمط انهيار الإمبراطوريات، حيث لا تأتي الضربة القاضية من الخارج، بل من الداخل؟
أجهل الإجابة، تمامًا كما أجهل كيف سيُكتب الفصل الأخير في حكاية روسيا المعاصرة.
لكنّي أعرف تمامًا أن بوتين لم يكن كاذبًا حين قال إن بلاده ما زالت تملك الكثير من عناصر القوّة. ما لم يقله يومها ــ أو لعله لم يعرفه بعد ــ هو أن القوة قد تنقلب ضد أصحابها إذا ما فشلوا في إدارتها برويّة.

Leave a comment