غزّة… من يحاسب القاتل إذا تشابهت الجثث؟

جمال دملج

سلامُنا بوست

انتهى الاجتماع الذي جمع، في الدوحة ليلًا، الوسطاء القطريين والمصريين بوفد من حركة حماس، دون أن يخرج بدخان أبيض. لا جديد، لا اختراق، ولا حتى تلميح إلى تسوية قريبة. وسائل إعلام إسرائيلية، وتحديدًا القناة 12، نقلت عن مصدر قريب من المحادثات أن الوسيطين رفضا الطرح الحمساوي الأخير، بل اعتبراه “غير مقبول”، وحمّلا الحركة مسؤولية “تضييع الوقت”.

وفي خضم هذا المراوحة المؤلمة، تكشف هيئة البث الإسرائيلية أن حماس تطالب، ضمن صفقة تبادل محتملة، بإعادة فتح معبر رفح، ليس فقط لعبور المدنيين، بل لمرور عناصرها أيضًا.

جدليات الأسئلة الصعبة

هنا، لا بدّ من التوقّف قليلًا. فبصرف النظر عن تباين الآراء حول كاريزما بنيامين نتنياهو، وما إذا كان رجل حرب أم سلام، ثمة سؤال أكثر إلحاحًا يفرض نفسه اليوم: ماذا يمكن أن يُقال عن حركة حماس؟

الحركة التي بسطت سيطرتها على قطاع غزّة بالقوّة في العام 2007، في انقلاب دموي على السلطة الوطنية الفلسطينية، لم تكن يومًا مشروعَ دولة أو بناء. كانت، وما تزال، مشروعَ هيمنةٍ وأدلجة، تحكم بالحديد والنار.

أتذكّر جيدًا كيف رمت عناصرها جثث أفراد من آل المدهون من شرفات منازلهم، وكيف اغتالت، بدم بارد، صديقًا عزيزًا لي هو موسى عرفات (أبو منهل) وهو لا يزال على رأس عمله كقائد لأحد أجهزة السلطة الأمنية التي كان يرأسها الراحل ياسر عرفات.

أتذكّر أيضًا خطاب إسماعيل هنية حين تولّى رئاسة وزراء السلطة بموجب اتفاق أوسلو، ورغم أنه كان يشغل موقعًا رسميًا في بنية “السلطة”، لم يتردّد في تكرار عبارته الشهيرة: “سنعمل على محو إسرائيل من الوجود”.

اللافت في ذلك ليس الشعارات، بل حقيقة أن الرجل كان يُطلقها من منبر سلطةٍ وُجدت أصلًا بموجب اتفاق أوسلو الذي يُفترض أنه يعترف بوجود إسرائيل. مفارقة عبثية لم تنفكّ تعمّق الهوة وتضيّع ما تبقّى من فرص الحل السياسي.

الهوة في الطوفان

أخطاء حماس كثيرة، وأكاد أجزم أنها لا تُحصى. لكن خطأها القاتل الأخير كان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين نفّذت هجومًا دمويًا أربك العالم، وحرّك آلة الردّ الإسرائيلي العنيف نحو قطاع غزّة.

ومنذ ذلك الحين، دُمّرت غزّة. لم يبقَ فيها حجر على حجر، ولا جدار يحتمي به طفل. ومعها تهاوت واجهات الدعم والمساندة، من لبنان إلى سوريا إلى اليمن، في لحظة إقليمية كانت تتّجه، بخفرٍ، نحو مسارات تطبيع بين إسرائيل ودولٍ عربية، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية.

هنا، تكرّ سبحة الأسئلة الثقيلة: هل تتحمّل إسرائيل وحدها مسؤولية هذا الدمار؟ أم أن حركة حماس، ومعها إيران، تتحمّلان جزءًا كبيرًا من هذا المصير؟

سرّ الخطيئة الكبرى

بلغةٍ واقعية، لا يمكن إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها عن المجازر، فصور الأطفال الذين يموتون جوعًا ومرضًا ليست مجرّد دعاية. إنها واقع، موجع، موثّق، لا يحتمل النكران.

لكن، وباللغة نفسها، من الظلم أيضًا ألا نُسمّي الأشياء بأسمائها. من يحاصر غزّة اليوم من الداخل؟ من يمنع المساعدات الغذائية والطبية من الوصول إلى المدنيين في كثير من الأحيان؟ من يحتكر الأوكسجين والطحين؟

لقد رأينا بأمّ العين كيف يُستولى على المساعدات في وضح النهار، وكيف تُوزَّع بحسب الولاء لا بحسب الحاجة. رأينا كيف يُمنَع الصحفيون من نقل الحقائق، وكيف تُقمع الأصوات المدنية التي تحاول أن تقول: كفى.

وإذا كان بعضنا يخشى أن تُفهم هذه الأسئلة وكأنها “تُبرّئ” إسرائيل، فأنا أقول بوضوح: لا أحد بريء في هذه المأساة… وهنا يكمن سرّ الخطيئة الكبرى.

الشجاعة المطلوبة والمشتهاة

الأطفال في غزّة أبرياء. يموتون بصمت، ولا يسألون عن “نصرٍ مؤجَّل” أو “صفقة شاملة”. لا يعرفون ما إذا كانت إيران تريد فعلاً تحرير القدس أم تعطيل قطار التطبيع. لا يفهمون ما إذا كان حزب الله يقاتل لأجل فلسطين أم لأجل توازن القوى في لبنان. الطفل في غزّة يريد رغيف خبز، وجرعة ماء، وسقفًا لا يسقط عليه. يريد، ببساطة، أن يعيش.

من هنا، لا أملك إلّا أن أُحيي بجرأة الرئيس الفلسطيني محمود عباس حين خاطب قيادة حماس ذات مرّة قائلًا: “سلّموا أسلحتكم يا أولاد الكلب”.

قد تكون العبارة صادمة، لكنها تعبّر، بحقيقتها العارية، عن عمق القهر المتراكم في الشارع الفلسطيني، وعن رغبة الأغلبية في وقف النزيف، لا في تغذيته باسم الدين أو المقاومة أو الكرامة.

لقد تحوّلت الكرامة إلى جثث. تحوّلت المقاومة إلى أحقاد. وتحول الصراع إلى دوّامة لا نهاية لها، يُدفع ثمنها دائمًا من لحم الأطفال. فهل من يجرؤ على كسر هذه الدوّامة؟ هل من يضع حدًا لمن يَقتلون فلسطين باسم فلسطين؟ وهل ما زال هناك من يملك شجاعة أن يقول لحماس: يكفي؟

Leave a comment