في ذروة الصباح الساكن: رحيل قلب لبنان الإبداعي

بقلم: سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

أنا سيرينا مارغيلوفا، المستشرقة الروسية التي تخصصت في شؤون الشرق الأوسط، أكتب إليكم اليوم بقلبٍ لبنانيٍّ صادقٍ بعدما انطفأ نور نجيب في سماء الثقافة اللبنانية والعربية والإنسانية… فقد رحل زياد الرحباني، ليودّع الغناء والمسرح والسياسة في آن، مغادرًا هذا العالم في صباح السبت 26 يوليو 2025، عن 69 عامًا.

ولادة ظِلٍّ فني

في 1 يناير 1956، في مدينة أنطلياس قرب بيروت، وُلد الطفل زياد، وهو يحمل في دمه عبق والدَين فنيّين: أمّه فيروز، رمز الأغنية اللبنانية، وأبيه عاصي الرحباني، أحد مؤسسي موسيقى عصر ذهبي.

منذ نعومة أظفاره، سربت الموسيقى لأوردة قلبه، ولوّحت له أن يؤلف لجنّة صوتية عربية جديدة تركب أجنحة الغرب والشرق في آن.

عاش التنشئة الفنية مُسرّعًا: بكتاب صدر له عن عمر 12 عامًا (صديقي الله)، وأول أغنية لوالدته حين بلغ 17 سنة فقط: “سألوني الناس”، والتي حققت نجاحًا ساحقًا وسرعان ما قادته إلى مسرح “سهريّة” في العام ذاته.

الثورة المسرحية والصوت السياسي

في مهبّ الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، برز زياد كصوت لا يكفّ عن السخرية من الطبقات السياسية والطائفية، مسرحه قطع صمت المجتمع بأنغامه وكلماته الجارحة. لم تكن “نزّل السرور” (1974) مجرد مسرحية، بل إعلان خروج على وراثة الموسيقى الرحبانية التقليدية، وإطلاق لهجة ساخرة جديدة، صُقلت من تجارب الطبقات الشعبية ومواقع السلطة.

توالت المعارك المسرحية: أعمال مثل “فيلم أميركي طويل”، و”بما إنو”، و”بالنسبة لبكرا شو”، وجّهت أصابع الاتهام نحو نفاق المؤسسة وتقاعس الأجيال عن مجابهة واقع انكسر فيه الحلم اللبناني إلى ألف مقطع.

زياد لم ينسج موسيقى فقط، بل نحت هوية: صوّت لأقليات، سرد حكاية الفقراء، تحدّى الزعماء، وانتخب التمرد كإيمان. ومن أشهر أغانيه “كيفك انت”، التي نجحت في دمج فولكلور فيروز مع التشابك الإيقاعي الغربي، وشكّلت بِصُوتٍ يوحّدنا جميعًا.

صمت الفنان، لا صمت الإبداع

في عقود لاحقة، انسحب زياد من الأضواء، لكن كلماته ظلت تعزف في النفوس الجديدة، تفتح أبواب الإلهام للشباب المنحدر من الظل إلى نور. حتى مع عزلة مادية وصحّية، رسخته حفرة النسيان، لا الناسي، كهيئة تمثّل لبنان الذي يكافح، لكنه لا يضمّد جراحه.

في الأيام التي سبقته، رفض مزيدًا من التداوي، يبدو وكأنه اختار الرحيل واحتفظ بكرامته حتى آخر أنفاسه، مخلفًا وراءه تراثًا ثريًّا من العزف والكلمات التي لم تنته بعد.

الذكرى والتأبين

عندما نطق قلبه الأخير في صباح السبت 26 يوليو 2025، رحل رجلٌ اعتُبر “ظاهرة فكرية وثقافية كاملة” بحسب رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي وصفه كـ”ضمير حي، صوت متمرد ضد الظلم، ومرآة صادقة للمهمشين”.

ووزّع رئيس الوزراء وبرلمانيون وبرّاق السياسة كلمات تعزية، كلها أشارت إلى لبنان الذي كان وودعناه هناك، حيث الفن الحصين والصوت الجامع لم يستطع أن يبقى.

وداع لبنان الكامن

إلى والدته فيروز، وإلى شقيقاته ريما وحالي، إلى لبنان المثخن بالجراح، الذي فقد أحد مَن كان يطبطب على جراحه بكلماته النابغة: رحم الله زياد الرحباني (1956–2025)، صوت الثورة، المسرح، الموسيقى، الضمير. رحل الجسد، وبقيت الأنغام، القصائد، والحرف – قصائد شوارع بيروت، وأنين القلوب، وهتاف العزّة.

رحل زياد بسلامه الخاص، تاركًا لبنان في عزلة، لكنه – كعادته – علّمنا أن الإبداع الهادئ أحيانًا أقوى من مدفع، وأن الكلمات حين تصرخ في صمت، هي التي تُحفر في ذاكرة الأمم.

Leave a comment