تأمّلٌ وجدانيّ ساخر في نبوءةٍ شعرية كتبها جمال دملج عام 2011 في ذروة انطلاق “الربيع العربي”، تعيد قراءتها اليوم ابنته الأدبية سيرينا جمال دملج بنبرة عقلانية تلامس الإلحاد، لتسأل: هل خاننا الرب… أم خانتنا الثورة؟
سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
كنتُ لا أزال أتعلم القراءة باللغة العربية؛ أنا اليوغسلافية المولد والروسية النشأة، حين كتب أبي كلمات قصيدته الملهمة في العام 2011 تحت عنوان: خرافاتٌ من حقيقة.
لم أكن قد قرأتُ بعد عن داروين، ولا التقيتُ بنيتشه في الليالي الطويلة التي أعادت تشكيل إيماني بالحياة، لا بالله. لكني، الآن، بعد أن التهمتنا النهايات، أفهم تمامًا ما الذي كان يُحاول قوله.
حين كانت القصيدة نبوءةً مبكرة
كتب أبي، في تلك الليلة الأيلولية من ذلك العام، قصيدة لا تشبه شيئًا إلّا نفسها. لم تكن صلاة، ولا شتيمة، بل حالة انفجار. كان يصرخ من داخل حفّاضةٍ سوداء صُنعت في إيران، ويبول ساخرًا في عمامةٍ بيضاء صُنعت برعاية الإخوان. لم يكن مهينًا لأحد أكثر مما كان مكلومًا من الجميع.
كان سعيدًا… حتى النخاع… ولأننا لا نولد من رحم القناعة، بل من طين الحاجة، جاءنا على هيئة نبيّ سكران، يقرأ “فاتحة العِنَب” قبل أن تُفتح “سورة العلق”. وكان يعرف، كما عرف جدّه الذي لم يُخلق من علَق، أن ثورات العرب لا تلد أنبياء… بل تلد قَتَلة بعمائم وشعارات ومشانق.
حفّاضات صنعها العهر الطائفي
هل كان أبي ملحدًا؟ ربما. أو ربما كان يرفض أن يُصلب من جديد، فوق خشبٍ مشقوقٍ على ناصية الوعظ، فيما المسيح لم يُصلب أصلًا في حكايته.
كان يقرأ من سِفر التكوين دون أن يخشى أن يلمس بكارة غفوتنا الجماعية، تلك التي ظلّت تصفّق لأسدٍ يُحبّل شعبه، ولمباركٍ يغدو بخسًا، ولغازيةٍ تتعرّى على الهواء.
حين قرأت القصيدة من جديد، شعرتُ أن أمّي مريم تبكي. لا أقصد أمّي البيولوجية، بل تلك الرمزية، النقيّة، المصلوبة داخل خشوعها الأبدي. مريم التي لم تَعُد تعرف إن كانت طفلها سيولد من نبيّ أم من جهاز أمن، أو من قارعة طريقٍ في خيمة لاجئين.
كان أبي يصرخ من مرقد الكُفل، يرفع كأسه الأخير باسم جدّه يوحنا الدملجي ورفاقه: يوشع، وبازوخ، وخون ناقل التوراة. يقرأ مزاميره لكارل ماركس، لا طلبًا للغفران، بل للانعتاق في مساحة جغرافية صغيرة ترفع لواءها تحت مظلّة شعارٍ يقول “إن الدين أفيون الشعوب”.
ربيعٌ أنجب قَتَلة لا أنبياء
اليوم، ونحن نعيش ما بعد الكارثة، أكتب هذه السطور لا لأدافع عنه، بل لأدافع عن حقي في أن أقول: نعم، لقد خانتنا الثورة. نعم، لقد باعنا الدين وتواطأ الرب. نعم، نحن الذين أضعنا الحليب والأقلام، لأننا وضعنا أبناءنا في حفّاضات صنعها العهر الطائفي، وجهّزها الغرب لزمن الارتطام الكبير.
لم يكن صلاح الدين يعنيه، ولا القدس العذراء، ولا العروبة التي اغتصبها زناة الليل. كان يعنيه فقط أن نحيا بكرامة. أن نشرب كأسنا الأخير ونحن نضحك، لا نبكي. أن نولد من جديد، لا من علق، بل من شظايا إدراك مؤلم يقول لنا: كفّوا عن الحلم، ولنبدأ معًا بالنجاة من جديد.

Leave a comment