بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
في خضم التحضيرات لزيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، تتسارع الخطوات نحو احتمالات سلام سعودي إسرائيلي غير مسبوق… فهل تبدأ من هنا ملامح شرق أوسط جديد؟
كلُّ العيون شاخصة اليوم نحو العاصمة الأميركية، حيث يتقاطع نبض الدبلوماسية مع وتيرة غير مسبوقة من الترقّب. فالزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى واشنطن في الشهر المقبل، ليست محض زيارة رسمية معتادة، بل تبدو كأنها تقف عند مفترق طرق دقيق، سيُعيد – أو هكذا يأمل كُثُر – رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط برمّته.
في الكواليس، تُسرّب مصادر دبلوماسية مطلعة معلومات توحي بأن الزيارة ستكون حجر الأساس لاتفاقيات استراتيجية غير مسبوقة بين الرياض وواشنطن، ليس على صعيد التعاون العسكري أو الاستثماري فحسب، بل في سياق إعادة تموضع سعودي ذكي في قلب توازنات المنطقة المتغيّرة.
الوزن الرمزي للسلام في المنطقة
لكن الحدث الأكثر إثارة للاهتمام – وربما للجدل أيضًا – هو ما يدور خلف الأبواب المغلقة بشأن العلاقات السعودية الإسرائيلية. فللمرّة الأولى منذ عقود، تلوح في الأفق إشارات صريحة إلى تحوّل وشيك، يخرق حواجز الصمت التقليدية ويمهّد لسلام لا يُشبه ذلك الذي عرفته المنطقة في محطات تاريخية سابقة.
وفق التسريبات، فقد قدّمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة شاملة وجريئة لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ترتكز إلى مقاربة جديدة: سلام متدرّج، واقعي، يأخذ في الاعتبار الحقائق المتشكّلة على الأرض، من دون أن يتنازل كليًّا عن جوهر العدالة للشعب الفلسطيني. قد يراها البعض خطة إملاء، وقد يصفها آخرون بكونها الفرصة الأخيرة لوقف النزف الجيوسياسي، لكن المؤكد هو أنّ الخطة تسعى لخلق بيئة أكثر مرونة تُتيح للسعودية أن تدخل الحلبة علنًا.
وبعيدًا من الأحكام المسبقة، فإن ما يميّز هذا المسار عن محاولات التطبيع السابقة، كاتفاقيات أبراهام، هو عمق الوزن الرمزي والسياسي للمملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي. سلامٌ برعاية السعودية لن يكون تفصيلًا صغيرًا، بل انعطافة كبرى في التاريخ الإقليمي.
من الرمزية إلى الواقعية
إن مجرّد طرح فكرة التطبيع العلني بين الرياض وتل أبيب قبل سنوات قليلة كان كفيلًا بإثارة عاصفة من الرفض الشعبي العربي، إلا أنّ تغيّرات عدة طرأت على المسرح الإقليمي. أولها، الإنهاك الجماعي الناجم عن الصراعات المتشابكة من اليمن إلى سوريا، مرورًا بلبنان والعراق، ما جعل شعوب المنطقة تتعطّش إلى استقرار حقيقي، لا شعاراتي.
وثانيها، تراجع الحضور الإيراني في عدد من الساحات العربية، بفعل الضغوط الداخلية والخارجية، الأمر الذي أعاد خلط أوراق التحالفات وأجبر العواصم الإقليمية على البحث عن شراكات جديدة قائمة على المصالح لا الأيديولوجيا.
وثالثها، الوعي التدريجي لدى النخب السياسية والاقتصادية في الخليج بأنّ إسرائيل – بحكم موقعها وقدراتها – يمكن أن تكون شريكًا مفيدًا في ملفات حساسة مثل الأمن السيبراني، التحوّل الرقمي، والطاقة المتجددة، إذا ما أُحسن إدماج العلاقة في إطار سياسي عقلاني.
رهانات السلام ومخاوفه
من غير المستبعد أن تقترن زيارة الأمير محمد بن سلمان بتوقيع مذكّرات تفاهم أميركية – سعودية تُمهّد لتعاون أمني واقتصادي عميق. لكن الأنظار ستكون منصبّة أكثر على مدى استعداد الرياض للانخراط علنًا في مسار سلام مع إسرائيل، وما إذا كان ذلك سيترافق مع ثمن سياسي واضح للفلسطينيين – كوقف الاستيطان، أو الاعتراف بدولة فلسطينية، أو على الأقل إطلاق مسار حقيقي نحو ذلك.
هنا، تكمن المعضلة الكبرى: فهل ستقبل القيادة السعودية بأن تكون عملية التطبيع مشروطة بتنازلات إسرائيلية حقيقية تُحسّن شروط التفاوض الفلسطينية؟ أم أنّها ستراهن على تغيير تدريجي في المعادلات، يسمح لاحقًا بإعادة التفاوض من موقع أقوى؟
مهما يكن الجواب، فإنّ المؤكّد هو أنّ السعودية لن تقدم على خطوة كهذه من دون قراءة عميقة جدًا للانعكاسات الداخلية والخارجية. فهي تدرك، من جهة، أن الشعوب العربية لا تزال تحمل جرحًا مفتوحًا اسمه “النكبة”، وأنّ أي سلام لا يحمل على الأقل وعدًا صادقًا بإنصاف الفلسطينيين قد يُواجه بتشكيك واسع. لكنها، من جهة أخرى، تعي أن الاستمرار في حالة الستاتيكو قد يؤدي إلى ما هو أسوأ.
بشائر لا يمكن إنكارها
رغم ما يرافق هذا الملف من تعقيد، هناك إشارات مشجّعة لا يمكن إغفالها، ومن بينها:
عودة الحرارة إلى قنوات التواصل الهادئة بين الرياض وتل أبيب، سواء من خلال الوساطات الأميركية أو عبر اللقاءات الهادئة في عواصم أوروبية، يُشير إلى رغبة مشتركة في كسر الجمود.
استعداد إسرائيلي مبدئي لتقديم “بوادر حسن نية”، مثل تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين أو ضبط السلوك الاستيطاني مرحليًا، وهي خطوات رمزية قد تكون كافية لتبرير الخطوة السعودية في الرأي العام الخليجي.
إصرار أميركي واضح على إنجاح هذا المسار، بما يشبه الإرث الدبلوماسي الذي يريده ترامب لإدارته، خاصة في ظل محاولته خلق واقع إقليمي يُقزّم النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.
وجود تقاطعات سعودية – إسرائيلية فعلية في ملفات إقليمية حساسة، أبرزها كبح التمدّد الإيراني، ومواجهة التحديات التكنولوجية والأمنية العابرة للحدود، بما في ذلك في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
هل آن أوان السلام الحقيقي؟
ليست السذاجة هي ما يدفعنا إلى الأمل، بل الإنهاك. الإنهاك من الحروب، من الخيبات، من مفاوضات عبثية لم تنتج سوى مزيد من التطرف. لذلك، فإن السلام السعودي الإسرائيلي – إنْ كُتب له أن يرى النور – لن يكون انتصارًا لدولة على أخرى، بل على حقبة كاملة من الأوهام الدموية.
لعلّ محمد بن سلمان، بكل ما يرمز إليه من حيوية الشباب ورغبة التحديث، يرى في هذا السلام – ولو بخطوات تدريجية – فرصة تاريخية لتثبيت دور السعودية كقوة توازن وتهدئة، لا كطرف في صراعات لا تنتهي. ولعلّ ما يُبنى في واشنطن خلال أسابيع، سيكون مقدمة لشرق أوسط أكثر استقرارًا، ولو على مراحل.
فهل تبدأ رحلة الألف ميل من هنا؟ لا أحد يملك الجواب، لكن كثيرين باتوا مستعدين للسير، حتى لو بحذر، نحو الطريق الذي يُفضي إلى ما يُشبه الطمأنينة.
إميلي غرينوود – صحفية بريطانية وباحثة في شؤون السلام العالمي

Leave a comment