بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
أفهم تمامًا لماذا تُبقي إسرائيل نظرتها الشكّاكة حيال الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم “أبو محمد الجولاني”. وأفهم أيضًا لماذا تتعامل معه أجهزة الأمن الإسرائيلية وكأنّه شخصيتان في جسدٍ واحد: “د. جولاني” الذي تلبّسته لسنوات أيديولوجيا القاعدة وأشباهها، و”السيد الشرع” الذي يظهر اليوم بربطة عنق ونظارات حذقة، ليُحدّث الإعلام الغربي عن رغبته في السلام، وربما حتى عن احتمال الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”.
ما بين هاتين الصورتين، تبقى هوية الحاكم الجديد في دمشق قيد الاختبار، لا بل قيد الاشتباه. فالجيش الإسرائيلي لا يخفي تردّده في تصنيفه: هل هو تهديد أكبر من نظام الأسد السابق؟ أم فرصة نادرة لبناء نوع من التفاهم مع جارة طالما كانت عدوّة لدود منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948؟
صراع الهوية… وصراع المحاور
بحسب تقرير نُشر، اليوم الثلاثاء، في صحيفة ذي جيروزاليم بوست، فإنّ المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية تقرّ بوجود تغيّرات استراتيجية بارزة منذ تسلّم أحمد الشرع السلطة، خصوصًا فيما يتعلّق بكبح التمدّد الإيراني في سوريا، ومنع تهريب السلاح إلى “حزب الله”.
لكنها في الوقت ذاته ترى في الشرع كائنًا مزدوجًا، تتجاذبه قوى متناقضة، وتدفعه أحيانًا إلى القسوة القصوى باسم “الحسم”، كما حصل في مجزرتَي ريف حماة والجنوب الدرزي في السويداء.
الوقائع تشير إلى أنّ بعض فصائل الشرع، المتحدّرة من جذور جهادية صلبة، نفّذت تلك المجازر بشكل منفلت، فيما تشير مصادر إسرائيلية إلى أنّ الشرع لم يكن بالضرورة من أمر بها، لكنّه لم يُبدِ أيضًا الجدية الكافية في منعها.
النتيجة: تردّد إسرائيلي طويل في الحكم عليه، وقلق دائم من أن تنقلب صورته بين ليلة وضحاها من “الإصلاحي” إلى “الذئب المقنّع”.
هواجس ما بعد السويداء
اللافت أنّ إسرائيل لم تكتفِ بإدانة الشرع لفظيًا بعد مجزرة السويداء، بل شنّت هجمات مباشرة على مواقع تابعة له، منها وزارة الدفاع السورية في قلب دمشق، في رسالة مفادها أنّ التحالف مع الدروز (سواء في سوريا أو في داخل إسرائيل) خطٌ أحمر لا يمكن تجاوزه.
ورغم ذلك، حرصت تل أبيب على أن تكون ضرباتها تدريجية. بدأت بهجمات موضعية صغيرة علّها تدفع الشرع إلى لجم الفصائل المتمرّدة، ولم تستهدف وزارة الدفاع إلا بعد تجاهله لتلك الرسائل.
في خلفيّة هذا التردّد، يظهر بوضوح تخوّف من أن يدفع الضغط المفرط الرجل نحو أحضان تركيا وقطر، الداعمتَين الأساسيتَين له خلال معركته ضد نظام الأسد.
بين الجولان والمنطقة العازلة
من جهة أخرى، ثمّة مأزق سياسي لا يقل تعقيدًا: الشرع لن يمضي، على الأرجح، في أي مسار تطبيعي ما لم تُعَد له أجزاء من الجولان السوري المحتل. كما أنّه يشترط انسحابًا إسرائيليًا من المنطقة العازلة التي استولت عليها تل أبيب في جنوب سوريا عقب سقوط الأسد في ديسمبر 2024.
لكن مجزرة السويداء الأخيرة جعلت هذا الاحتمال أبعد ما يكون، ما لم تُمارس ضغوط كبيرة من إدارة ترامب العائدة إلى البيت الأبيض.
واقع معقّد… وأسئلة مفتوحة
ما يزيد الصورة التباسًا، وجود أكثر من 3 آلاف مقاتل من حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني، ومئات من “حماس”، إضافة إلى جيوبٍ من فلول “داعش” داخل سوريا.
وبينما يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ مئات الضربات سنويًا داخل الأراضي السورية، لا يبدو أن شيئًا حاسمًا قد تغيّر في معادلة الردع القديمة.
أمّا في حادثة اجتياز مئات من الدروز الإسرائيليين الحدود نحو سوريا خلال المجزرة، فإنّ المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية تبنّت قرار أحد قادة الكتائب بفتح البوابة الحدودية لتجنّب وقوع إصابات، ولم تُوجّه إليه أي لوم، في رسالة واضحة بأنّ الحفاظ على توازن العلاقة مع الطائفة الدرزية يبقى أولوية إسرائيلية قصوى.
بعد مرور تسعة أشهر على اعتلاء الشرع سدّة الحكم، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة. هو ليس الأسد، لكنّه أيضًا ليس السادات. هو ليس البغدادي، لكنّه لم يغادر عباءته بالكامل.
وما بين جدران القصر الجمهوري في دمشق، لا يزال السؤال معلّقًا: هل باتت سوريا على طريق الانفتاح… أم أنّها لا تزال تنزف من خاصرتها؟

Leave a comment