بقلم: نيكول دوبريه
سلامُنا بوست
من لندن، وأنا أتابع التصريحات اللافتة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس حول قرار بلاده تدشين جسر جوي بالتعاون مع فرنسا والمملكة المتحدة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، شعرتُ بشيء يشبه المرارة… لا لأن المبادرة متأخرة أو رمزية، بل لأن الكارثة باتت أعمق من أن تُرمّمها نوايا طيبة، مهما صدقت.
العالم يتحرّك. الأوروبيون، وإن تردّدوا طويلًا، بدأوا يسمّون الأشياء بأسمائها. حتى في ألمانيا—حليفة إسرائيل التاريخية، والمكبّلة بثقل إرث المحرقة—بدأت اللغة تتغير. يصفون الوضع بـ”الكارثي”، ويتحدثون عن “خيار العقوبات” ضد الحكومة الإسرائيلية، ويناقشون مستقبل العلاقة معها على طاولة رسمية، لا في الهامش الدبلوماسي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، الذي لم يُعرف يومًا بمهادنته للمقاومة الفلسطينية، صرّح بشكل قاطع بأن “الناس في غزة يتضوّرون جوعًا”، مفرّقًا موقفه بوضوح عن موقف بنيامين نتنياهو الذي لا يزال ينكر وجود مجاعة.
أخلاقيات الحراك
كلّ هذا الحراك، مهما شابه من نفاق أو حسابات أو تأخير، يدلّ على أمرٍ واحدٍ على الأقل: أن الصمت لم يعُد ممكنًا. وأن صور الأطفال الهزال، وأكوام الأنقاض، وتناقص الأرواح بفعل القصف والجوع، صارت ثقيلة على الضمير الإنساني.
بلدانٌ كانت تلوذ خلف ذرائع “محاربة الإرهاب”، بدأت تسأل علنًا: وماذا عن ملايين المدنيين؟ عن الأطفال؟ عن العائلات التي دفنت أبناءها وبدأت تنقرض جماعيًا؟
حماس الغامضة
لكن… وسط هذا الصحو الدولي البطيء، تقف حركة “حماس” كأنها خارج الزمان والمكان. تلتزم الصمت، أو تطلق مواقف غامضة، فيما تُرك شعبٌ بأكمله للموت تحت الأنقاض أو الحصار.
لم تعلن الحركة عن مراجعة استراتيجيتها. لم تفتح الباب أمام أيّ تنازلات تكتيكية قد ترفع الغطاء عن آلة الحرب الإسرائيلية، أو تنزع من نتنياهو ذريعته “الوحيدة” للاستمرار في القصف: الرهائن.
بل إنّ مما يُتداول على نطاق واسع في الأوساط الغربية أن حماس هي التي تُعرقل المساعي الأميركية-المصرية-القطرية لإتمام صفقة تبادل الرهائن، متذرعةً بشروط لم تعد قابلة للتطبيق في ظل الانهيار التام للبنية المدنية في غزة.
ويحقّ للمرء أن يسأل، بمرارة المحبّ: هل بات الرهائن الإسرائيليون ورقةً أهمّ من أرواح آلاف الأطفال الفلسطينيين؟ وهل تحوّلت الكرامة الوطنية إلى ستار يُستخدم لتمديد المعاناة، لا لإنهائها؟
مصالح الحركة ومعاناة الشعب
أسأل نفسي، وأنا أكتب هذا النص بضميرٍ موجوع: هل نسيت “حماس” أنها حين أطلقت عمليتها في السابع من أكتوبر، فعلت ذلك تحت عنوان مقاومة الاحتلال لا تحت شعار التضحية بالشعب؟
الأمانة تُحتم عليّ القول إن الشعب الفلسطيني، وبخاصة في غزة، لم يختر هذه الحرب، ولا هذا العناد. الناس هناك يصرخون من الجوع، من القهر، من اليأس… ولا يسمعهم أحد، لا العدو ولا الحليف.
أعرف أن بعض زملائي في أوروبا يرفضون توجيه النقد للمقاومة الفلسطينية، بحجة أن ذلك يخدم رواية الاحتلال. لكن… أي رواية نخدم، نحن الصحفيين، حين نصمت عن جمود قاتل؟ عن صفقاتٍ ممكنة تُفشلها الأيديولوجيا، بينما تموت غزة على مراحل؟
هذا الجمود ليس فقط تقصيرًا أخلاقيًا، بل هو أيضًا هدية لنتنياهو، الذي يجد في تعنّت حماس ما يبرّر استمرار آلة الحرب، وتجميد أي مساءلة جدّية من الرأي العام الإسرائيلي أو من المجتمع الدولي.
هل تدرك حماس أنها تُخلي المكان لصالح مشاريع التهجير، والتطهير، وتغيير التركيبة السكانية لغزة؟ هل تعلم أنها، في لحظة ما، قد تُصنَّف—لا كحركة مقاومة—بل كعامل معرقِل لإنقاذ المدنيين؟ وهل تدرك أن ما لم تقله في هذه الأشهر الدامية، سيُكتَب في التاريخ… ولكن بلغة لا تشبه شعاراتها أبدًا؟
أكتب هذا وأنا أعلم أن الصدق أحيانًا يُكلّف. لكن إن لم نكن شهودًا أمناء على الحقيقة، فكيف سنساهم في صناعة السلام؟
نيكول دوبريه – صحفية فرنسية مقيمة في لندن ومتخصصة في تغطية النزاعات العابرة للحدود وقضايا التعددية الثقافية

Leave a comment