بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
في مشهد دراماتيكي يعكس حجم التوتر الكامن بين موسكو وواشنطن، حلّقت هذا الشهر قاذفتان نوويتان روسيتان من طراز Tu-95، يرافقهما مقاتلتان من طراز Su-35، داخل ما يُعرف بمنطقة تحديد هوية الدفاع الجوي لألاسكا (ADIZ)، ما استدعى تدخلًا فوريًا من الطائرات الحربية الأميركية، بينها مقاتلات F-16، لاعتراضها.
قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية (NORAD) سارعت إلى التوضيح أن الطائرات الروسية بقيت في المجال الجوي الدولي ولم تنتهك السيادة الأميركية أو الكندية، معتبرةً أن هذه التحركات “تحدث بانتظام” ولا تُعدّ تهديدًا مباشرًا. لكنها في الوقت ذاته شدّدت على جاهزيتها التامة لاتخاذ التدابير الدفاعية اللازمة، في أي وقت، بفضل شبكة دفاعية متعددة الطبقات تشمل الأقمار الاصطناعية والرادارات والطائرات الحربية.
ما بعد الاحتكاك
هذا الاحتكاك الجوي ليس حدثًا معزولًا، بل يشكّل جزءًا من لوحة أكبر تتداخل فيها الأبعاد العسكرية بالتصعيدات الدبلوماسية، على وقع الحرب المتواصلة في أوكرانيا ومحاولات الغرب تطويق التمدّد الروسي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض مطلع هذا العام، يبدو أنه حسم موقفه حيال “مناورات الكرملين”. ففي تحوّل لافت، قلّص مهلةً كان قد منحها لروسيا من خمسين يومًا إلى ما بين عشرة واثني عشر يومًا فقط، مطالبًا موسكو بإظهار نوايا جدية نحو السلام في أوكرانيا، وإلّا فستُفعّل واشنطن رزمة جديدة من الرسوم الجمركية العقابية والعقوبات الثانوية.
ولئن بدت هذه الخطوة جريئة، فإنّ المؤشرات الآتية من موسكو لا تُوحي بأنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وارد الرضوخ. ففي اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب إنذاره، كانت روسيا تعلن سيطرتها على قريتين في إقليم دنيبروبتروفسك الأوكراني، وتُطلق وابلًا من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه الداخل الأوكراني، ما دفع بولندا إلى تفعيل الدفاعات الجوية وإقلاع طائراتها الحربية لحماية أجوائها.
الجبهات غير العسكرية
أما الخطاب السياسي الروسي، فلم يخلُ بدوره من التهديدات، إذ وصف الرئيس السابق ديميتري ميدفيديف تصريحات ترامب بأنها “خطوة نحو الحرب”، بينما أكد وزير الخارجية سيرغي لافروف أن “روسيا تخوض المعركة وحدها ضد الغرب بأكمله”. في المقابل، لم تُسجّل أي بوادر فعلية لاستئناف المحادثات مع أوكرانيا، وآخر لقاء تفاوضي عُقد في إسطنبول لم يدم أكثر من ساعة.
لكن ما قد يجهله الكرملين هو أن ترامب، على عكس توقّعاته، لا ينوي تقديم “شيك على بياض” لروسيا. بل العكس هو الصحيح: الرئيس الأميركي يعتبر الآن أن موسكو هي العقبة الوحيدة أمام تحقيق السلام، ويعمل على بلورة استراتيجية ردع أكثر صرامة، تتجاوز في بعض أوجهها تلك التي اتبعها سلفه جو بايدن.
الأجندات الأميركية وأسلحة الناتو
صحيح أن ترامب كثيرًا ما انتقد الحلف الأطلسي خلال ولايته الأولى، لكنه اليوم يضغط في اتجاه تعزيز قدراته، ويشجّع حلفاء الولايات المتحدة على شراء الأسلحة الأميركية وتمويل المجهود الحربي الأوكراني من مواردهم الخاصة. ألمانيا مثلًا، وبعد تعديلات في سقف إنفاقها، ستنفق مليارات الدولارات لشراء معدات عسكرية أميركية لصالح كييف، فيما تضاعف النرويج دعمها وتعِد بمنظومة باتريوت. أمّا هولندا وكندا والدول الإسكندنافية وبريطانيا، فتسير في الاتجاه ذاته، كما أعلن الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
ترامب لا يكتفي بذلك، بل يدفع باتجاه إعادة تسليح أوروبا ذاتها، واعتبر في مؤتمر قمة الحلف الأخيرة في لاهاي أن رفع سقف الإنفاق العسكري إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي “نصر كبير للحضارة الغربية”. كما أبرم صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي لشراء معدات عسكرية بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة.
وهكذا، فإنّ كل موجة عدوان روسي تأتي بنتائج عكسية. فمنذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، إلى اجتياح أوكرانيا عام 2022، وصولًا إلى استفزازات هذا العام، لم تفعل موسكو سوى تعميق عزلة نفسها وتسريع توحّد الناتو وتعاظم قوته، بل ودفع دول محايدة سابقًا كفنلندا والسويد للانضمام إلى الحلف.
لقد نفد صبر ترامب. وما كان يُظَنّ به مرونة أو تردّدًا، تحوّل اليوم إلى موقف حاسم، قد يجعل الكرملين يندم على لعبة “التحايل على واشنطن”. ولعلّ الأيام القليلة المقبلة ستكون مفصلية، ليس فقط في تحديد مستقبل الحرب في أوكرانيا، بل وربما في رسم معالم مرحلة جديدة من علاقة موسكو بالعالم.
فهل آن أوان الحساب… أم أنّ بوتين ما زال يعوّل على أن العالم لا يزال يتحمّل مغامرته؟
سيرينا جمال دملج كاتبة لبنانية – روسية شابة، وصوتٌ أدبي ينشد الحقيقة بمعزلٍ عن الاصطفافات، ويدافع عن الكرامة الإنسانية بمعزلٍ عن الجغرافيا. تؤمن بأنّ الكتابة موقف، وأنّ الانحياز للحرية ليس خيارًا بل التزام

Leave a comment