بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
يصعب تخيّل أن تحقق حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة “النصر الكامل” على حركة حماس، كما يكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي، لا سيّما أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أنفسهم شككوا في إمكانية تحقيق ذلك. لكن ما هو مؤكّد أن إسرائيل، من خلال هذه الحرب، قد تخسر الكثير… وعلى رأس الخسائر: علاقتها الخاصة والمستقرة منذ عقود مع الولايات المتحدة.
في ظلّ المجاعة التي تضرب غزة، يتسبب نتنياهو بتآكل خطير في الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل، وهو دعم طالما حظي بإجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فمنذ أكثر من عقدين، بدأ نتنياهو بإضعاف هذا الإجماع من خلال إنكاره لحقوق الفلسطينيين ومراهنته السياسية على الجمهوريين دون سواهم. أما اليوم، ومع صور الأطفال الغزّيين المتضوّرين جوعًا في أحضان أمهاتهم، فإن هذا التصدّع بات مهددًا بالتحول إلى قطيعة.
المشاهد المؤلمة… والغضب العالمي
صحيح أن مجازر السابع من أكتوبر 2023 التي ارتكبتها حماس وأدت إلى مقتل 1200 شخص وخطف أكثر من 250 آخرين كانت مروّعة، لكن الحرب الإسرائيلية التي أعقبتها حصدت ما يفوق 60 ألف ضحية في غزة، بينهم أكثر من 18,500 طفل، بحسب وزارة الصحة في القطاع. وعلى الرغم من القيود الإسرائيلية المفروضة على الإعلام الدولي، بدأت تنتشر مؤخرًا مشاهد مؤلمة توثّق الجوع والموت في غزة، ما أثار موجة غضب عالمي، حتى داخل الدول الغربية الحليفة تقليديًا لإسرائيل مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
أما في الولايات المتحدة، فقد أعلن السيناتور المستقل أنغوس كينغ أنه لم يعد قادرًا على دعم المساعدات العسكرية لإسرائيل “ما دام هناك أطفال يتضوّرون جوعًا في غزة بسبب أفعال أو تقاعس الحكومة الإسرائيلية”، قائلًا بصراحة: “لا يمكنني الدفاع عن أمر لا يمكن الدفاع عنه”.
والمؤلم أن هذه المجاعة لا تُنكرها فقط الحكومة الإسرائيلية، بل تصرّ على نفي وجودها. ففي تصريح صادم، قال نتنياهو مؤخرًا: “لا وجود للمجاعة في غزة”. لكن حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب — المعروف بميله لنتنياهو — لم يتمكن من تصديق ذلك، قائلًا: “ما أراه هو مجاعة حقيقية. لا يمكن تزوير هذه المشاهد”.
بين القطاع والضفة الغربية
من المثير للسخرية أن ترامب، الذي تباهى في السابق بتدخّله في وقف إطلاق النار، تحدّث مؤخرًا عن خطط لإنشاء مراكز توزيع طعام في غزة، دون أن يدرك أن الولايات المتحدة متورطة أصلًا في استبدال جهود الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بمبادرة أمنية مشبوهة أنشأتها إسرائيل وتُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، والتي تدير عددًا محدودًا من المراكز التي تخضع لحراسة جنود إسرائيليين. وقد أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 100 فلسطيني ماتوا جوعًا منذ أيار/مايو، في حين قُتل ما يفوق الألف برصاص الجنود الإسرائيليين خلال محاولاتهم الحصول على الغذاء.
أما في الضفة الغربية، فإن عنف المستوطنين اليهود المدعومين من حكومة نتنياهو بلغ أعلى مستوياته منذ عشرين عامًا، وفق تقارير الأمم المتحدة، في استمرارٍ لمعاناة الفلسطينيين على أكثر من جبهة.
إسرائيل… والوعي العالمي
وسط كل ذلك، تشهد صورة إسرائيل في الوعي العالمي تحوّلًا عميقًا: من دولة وُلدت من رحم مآسي المحرقة إلى قوّة قمعية يُنظر إليها اليوم باعتبارها جالوت لا داوود. وهذا التحوّل لا يمرّ مرور الكرام في السياسة الأميركية.
فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة “غلوب” في تموز/يوليو الجاري، أظهر 32% فقط من الأميركيين دعمهم للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة — وهو أدنى مستوى منذ عقود. كما كشف الاستطلاع عن تراجع حاد في التأييد بين الديمقراطيين والمستقلين، مقابل ارتفاع في التأييد بين الجمهوريين، ما يعكس استمرار حالة الاستقطاب الحزبي حول الموقف من إسرائيل.
وفي تقرير سابق لغلوب في شباط/فبراير، قال 46% فقط من الأميركيين إنهم يدعمون إسرائيل، وهو أدنى مستوى منذ بدء المؤسسة رصد هذا المؤشر قبل 25 عامًا. والأهم من ذلك أن الديمقراطيين باتوا يميلون بوضوح إلى تأييد الفلسطينيين، في تحوّل يُعزى إلى استياء متراكم من سياسات نتنياهو الاستبدادية وسلوكه الشخصي الذي ينظر إليه كثيرون على أنه أناني وغير ديمقراطي.
وبحسب “مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية”، فإن هذا الانقسام الحزبي قد يتحوّل إلى تراجع طويل الأمد في الدعم الأميركي لإسرائيل.
إنه إرث نتنياهو… لكنه ليس إرثًا مشرفًا، لا للشعب اليهودي، ولا لأميركا.
إميلي غرينوود – صحفية بريطانية وباحثة في شؤون السلام العالمي، حاصلة على درجات علمية في الفلسفة السياسية من جامعتي كامبريدج وأكسفورد. عملت في برامج دولية للمصالحة المجتمعية وفض النزاعات، وساهمت في تغطية ملفات حساسة من أفريقيا إلى أوروبا الشرقية. تكتب في ضمير المتكلّم مقالات وجدانية عن الكلفة الخفية للحروب، والسبل الممكنة لبلسمة المجتمعات الممزقة.

Leave a comment