جمال دملج
سلامُنا بوست
في لحظة محمّلة بالتناقضات والرمزيّات، تستعدّ الحكومة اللبنانية للانعقاد يوم الثلاثاء المقبل في جلسة يُتوقَّع أن تُعيد طرح ملف “حصرية السلاح بيد الدولة” إلى الواجهة، وسط جدل داخلي متجدّد وضغوط خارجية متزايدة. لكنّ التوقيت وحده كفيل بإلقاء ظلال ثقيلة على هذه الخطوة، إذ تسبقها بيوم واحد فقط الذكرى السنوية الخامسة لانفجار نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت – الحدث الذي لا يزال جرحه مفتوحًا في وجدان اللبنانيين، ولا تنفكّ تُثار فيه شبهات تتصل بمسؤولية حزب الله عن تخزين المواد المتفجّرة في المرفأ.
إنها ليست مجرّد مصادفة زمنية. فحين تعقد الدولة اجتماعًا مفصليًا للنظر في مسألة السلاح غير الشرعي بعد خمسة أعوام بالتمام من أكثر الكوارث دموية في تاريخ لبنان الحديث، فإن هذا التزامن يفرض نفسه على القراءة السياسية، ويستدعي التأمل في ما إذا كان لبنان على وشك مغادرة مرحلة لطالما شُلّت فيها مؤسسات الدولة تحت وطأة فائض القوة.
من المواربة إلى المجاهرة
الجلسة المرتقبة، التي دعا إليها رئيس الحكومة نواف سلام، تُوصف في أروقة القصر الجمهوري بأنها “غير عادية”، رغم أن بعض المتابعين يستبعدون أن تكون “حاسمة بالكامل”. فالبند الأبرز المدرج على جدول الأعمال يتناول مسألة السلاح غير الشرعي، بما في ذلك سلاح “حزب الله”، في خطوة تعتبرها أوساط سياسية بداية لانتقال الدولة، جدّيًا، من سياسة المواربة إلى مرحلة المجاهرة بضرورة احتكار القوة بيد المؤسسات الشرعية وحدها.
المناخ الإقليمي المتوتر – خصوصًا في ظل الغارات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان والتي أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين – يعزز إلحاح هذا النقاش. الغارات، التي استهدفت بحسب الرواية الرسمية “منشآت تابعة لحزب الله”، جاءت بالتوازي مع تصعيد في لهجة العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، التي باتت تربط بين المساعدات الدولية وإعادة الإعمار من جهة، واتخاذ خطوات ملموسة لحصر السلاح من جهة أخرى.
الحزب… والمخرج المشرّف
ورغم استمرار الحزب في الدفاع العلني عن “مشروعية” سلاحه باعتباره “ضمانة للأمن القومي”، تفيد تسريبات دبلوماسية بأن مشاورات خلف الكواليس بدأت تتبلور بحثًا عن “مخرج مشرّف” من هذا المأزق، وربما عن صيغة تدريجية لتقليص حجم الترسانة العسكرية التابعة له. وفي هذا السياق، يُسجّل اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد كمؤشر على محاولات جسّ نبض جدّية تجري في الكواليس.
مع ذلك، لا يمكن إغفال الطبيعة المتشابكة للمشهد اللبناني. فالحزب، الذي فقد عمليًا قدرته على استخدام “الثلث المعطّل” داخل الحكومة، لا يزال لاعبًا محوريًا في معادلات الحكم. ورغم تغيّر التوازنات، فإن غياب الإرادة السياسية الصلبة، وتراكم التفاهمات غير المكتوبة بين أطراف السلطة، يهددان بتحويل أي قرار حكومي إلى مجرّد إعلان نوايا.
تكهنات حول الضمانات السيادية
بحسب ما رشح من مداولات، فإن القرار المتعلق بالسلاح – في حال إقراره الثلاثاء – سيُحال إلى المجلس الأعلى للدفاع، لتُرسم لاحقًا خريطة طريق مفصّلة لآلية التنفيذ، رهنًا بالتطورات الإقليمية، لاسيما في الملف النووي الإيراني. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر دبلوماسية أن الغرب لن يقف مكتوف اليدين، إذ بدأ يلوّح بتجميد مشاريع إعادة الإعمار في حال لم تُرفق الأقوال بأفعال.
في المقابل، يبدو أن الحزب نفسه يدرك أن هامش المناورة بات أضيق، وأن المعادلة تغيّرت. فالإصرار على استمرار الاحتفاظ بالسلاح دون سقف الدولة لم يعد ممكنًا من دون أثمان سياسية. من هنا، تزداد التكهّنات بشأن سعي الحزب إلى تحصيل “ضمانات سيادية” في تركيبة النظام اللبناني، تُبقي له دورًا مؤثرًا من دون أن تضعه في صدام مباشر مع الداخل والخارج.
ومن اللافت أن الرئيس جوزاف عون، في كلمته الأخيرة بمناسبة عيد الجيش، لمّح بوضوح إلى هذه اللحظة المفصلية. فقد ذكّر الحزب بالمبادئ التي شارك في صياغتها خلال الحكومات المتعاقبة، بما في ذلك الالتزام بحصرية السلاح في البيانات الوزارية. وهو بذلك أطلق ما يشبه “النداء الأخير” للعودة إلى منطق الدولة، قبل أن يزداد المشهد تعقيدًا.
الصراعات بالوكالة… إلى أين؟
لكن، ماذا عن البُعد الرمزي ليوم الاثنين؟ وهل يُمكن فصل الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ عن محاولة إرساء منطق الدولة في اليوم التالي؟ وهل تملك الدولة الجرأة السياسية والأخلاقية لفتح جراح الرابع من آب، بينما تخوض غمار معركة إخضاع كل أشكال العنف المنفلت لسلطتها؟
اللبنانيون، الذين ذاقوا مرارة الانفجار بكل تفاصيله، لا يزالون يطالبون بالحقيقة والعدالة. وفي بلد اعتاد على “مخالب القطط” الإقليمية و”ملاقط النار” الدولية، لا يُستبعد أن يحاول البعض خلط الأوراق مجددًا لتعكير أي مشروع تغييري جادّ. فالساحة اللبنانية لطالما كانت مستودعًا خصبًا للتدخلات، والرهانات، والصراعات بالوكالة.
لكن، في نهاية المطاف، لا شيء يُبقي الأمل حيًّا أكثر من سؤال بسيط: هل يمكن للبنان أن يُدشّن في الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ مسارًا يُنهي فعليًا مفاعيل السلاح الخارج عن الدولة، ويُطلق شرارة ولادة وطن يستحقّه أهله؟
ربما يكون يوم الثلاثاء بداية الإجابة.
جمال دملج – كاتب وصحفي لبناني، ومؤسس موقع سلامُنا بوست. تنقّل بين عواصم عربية وغربية في مسيرته الإعلامية، وعمل طويلًا في ميادين الصحافة السياسية والثقافية. يؤمن بأن الكلمة قادرة على رأب الصدوع، وأن الحقيقة لا تكتمل إلا حين نرويها من زوايا متعددة. يكتب في زاوية ضمير المتكلّم من أجل سلامٍ يقوم على العدل، والذاكرة، والانتماء المتبادل.

Leave a comment