بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
غداة الهجوم المفاجئ الذي شنّته حركة “حماس” في 7 أكتوبر 2023، تلقّت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية صفعة قاسية كشفت عن خلل بنيوي في جهازها الاستخباري. ومع انقشاع غبار الصدمة، لم تعد المراجعة الداخلية خيارًا، بل ضرورة وجودية. اليوم، وفي خضمّ مسار تصحيحي تتلمّسه الدولة العبرية، يُعاد النظر في أسس “الثقافة المخابراتية”، لا سيّما في وحدة الاستخبارات العسكرية (أمان)، التي لطالما اعتُبرت حصنًا حصينًا لأمن إسرائيل القومي.
لكن ما يثير الانتباه هذه المرّة هو ليس فقط التغييرات الهيكلية أو التقنية، بل ذلك التحوّل العميق الذي يطال الذهنية الاستخبارية الإسرائيلية، من حيث طريقة التفكير واللغة ومفهوم “معرفة العدو”.
لغة العدو… بين الجهل والتجاهل
من أبرز مظاهر هذا التحوّل الجديد، ما كشفته وكالة “بلومبيرغ” عن إعادة إحياء برامج قديمة تهدف إلى تعليم اللغة العربية في المدارس الثانوية، وتوسيع تدريب الجنود على لهجاتها المختلفة. خطوة تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها في الجوهر تعبّر عن تحوّل ثقافي جوهري داخل منظومة طالما اتّكلت على الترجمة، حتى في أوساط ضباطها الكبار.
ضابط استخبارات تحدث إلى بلومبيرغ شريطة عدم الكشف عن هويته أقرّ بأن الوكالة كانت تعاني من “سوء فهم جوهري” لأيديولوجية “حماس”، رغم توفر الكثير من الإشارات. لقد رصدت إسرائيل تدريبات الحركة المسلحة، وعرفت بنيّتها السيطرة على مواقع عسكرية ومجتمعات مدنية، لكنها اعتبرتها مجرد استعراضات عبثية.
حين لا تقرأ العبرية ما تكتبه “حماس”
يقول مايكل ميلشتاين، رئيس دراسات الفلسطينيين في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب: “لو كان المزيد من الإسرائيليين يقرأون صحف حماس أو يستمعون إلى إذاعتها، لفهموا أن الحركة كانت تُعدّ للجهاد، لا للانكفاء”. كلامه يشي بمفارقة لافتة: فبرغم التطوّر التكنولوجي الكبير، كانت إسرائيل تفتقر إلى “الفهم الداخلي” للعدو – فهم لا تصنعه الأقمار الصناعية ولا يُقرأ على شاشات الطائرات المسيّرة.
من السيليكون إلى الإنسان: عودة الجاسوس
ضمن سياق هذا التحوّل، تعود المخابرات الإسرائيلية لتُعوّل مجددًا على “العامل البشري”. فبعد سنوات من الارتهان المطلق للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، تُعزز إسرائيل اليوم حضورها الميداني عبر زرع جواسيس، وتطوير وحدات تحقيقات بشرية، في توجه يذكّر بأساليب الحرب الباردة، لكن بروح جديدة.
لم يعد كافيًا جمع المعطيات. المطلوب الآن، وفق أوفر جوتيرمان، الضابط السابق في الاستخبارات وعضو معهد بحوث منهجية الاستخبارات، هو “أشخاص يدركون أبعادًا متشابكة: تاريخية، ثقافية، دينية”. فالفارق كبير بين “كشف السر” و”حل اللغز”، كما يقول. إسرائيل برعت في الأول، لكنها فشلت في الثاني، أي في فهم ما يخطّط له العدو داخل ذهنه.
سؤال أعمق: هل تكفي المخابرات لتغيير المجتمع؟
على أهمية ما يحدث في أروقة الاستخبارات، إلّا أن بعض المحللين، ومنهم ميلشتاين، يشيرون إلى أن التحوّل الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على الجيش أو أجهزة الأمن، بل يحتاج إلى ثورة معرفية على مستوى المجتمع الإسرائيلي بأسره.
فتعلّم اللغة وحده لا يكفي، ولا يكفي تدريب جيل جديد على اللهجات، ما لم يقترن ذلك بإرادة سياسية وثقافية لفهم “الآخر” ضمن سياقه، لا عبر شيطنته أو اختزاله في صورة نمطية. فهل الإسرائيليون مستعدون لتوجيه بوصلتهم من “الفرص العالمية” إلى التهديدات المحلية؟ هل ما زال الشرق الأوسط يعني لهم أكثر من كونه “فناءً خلفيًا” أو مصدر قلق أمني؟
الدرس الأكبر: المعرفة ليست ترفًا
في خضم هذا النقاش، يعود السؤال الجوهري الذي طُرح غداة الحرب: هل كانت الصدمة الأمنية نتيجة إخفاق في التكنولوجيا، أم في الفهم؟ يبدو أن الجواب بات واضحًا. فالمعرفة – لا سيّما بالثقافة والتاريخ والدين واللغة – لم تعد ترفًا أكاديميًا، بل باتت عنصرًا حاسمًا في الأمن القومي.
من الأدب إلى العقيدة، من اللهجات إلى السياقات الاجتماعية، تكتشف إسرائيل اليوم أنها لم تعرف “العدو” كما ظنّت، وأن الترجمة وحدها لا تخلق فهمًا، وأن الجاسوس يجب أن “يفكّر مثل الخصم”، لا أن يقرأ عنه من بعيد.
وإن كانت إسرائيل اليوم بصدد إعادة بناء ثقافتها الاستخبارية، فربما يكون هذا مدخلًا إلى تحوّل أوسع: تحوّل في نظرتها إلى اللغة، إلى “العدو”، إلى المنطقة ككل. لكن أيّ تحوّل سيبقى هشًّا ما لم يُبنَ على إدراك عميق بأن المعرفة – لا القوّة وحدها – هي مفتاح البقاء في الشرق الأوسط.
سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية

Leave a comment