ألمانيا… حين يُرسم الصليب المعقوف في حضن الديمقراطية

بقلم: أورسولا كروغر

سلامُنا بوست

لم يكن ما أقدم عليه النائب الألماني دانيل بورن مجرد “رد فعل متسرّع”، كما وصفه لاحقًا، بل كان تصرّفًا بالغ الرمزية والدلالة، زلزل المشهد السياسي في ولاية بادن-فورتمبيرغ، وأثار جدلًا أخلاقيًا وحقوقيًا عميقًا في عموم ألمانيا. أن يرسم نائبٌ في البرلمان صليبًا معقوفًا – حتى وإن كان ذلك على سبيل الاحتجاج السياسي – هو أمر لا يمكن عزله عن تاريخ هذا الرمز القاتم، ولا عن التشريعات الألمانية التي تعتبر مجرد استخدامه أو الترويج له جريمة جنائية.

لكن بورن لم يكن نازيًا، ولم يكن مؤيدًا لحزب يميني متطرّف. على العكس، كان يحاول – وفق بيانه الشخصي – إدانة حزب “البديل من أجل ألمانيا”، من خلال لفتة رمزية تؤكد أن التصويت لمرشحيه، إنما يعني التصويت لصالح خطاب الكراهية والتحريض اليميني. فما الذي حدث بالضبط؟ وما الذي يجعل من هذا التصرف “خطأً فادحًا” بحق الحزب الاشتراكي الديمقراطي وبحق الديمقراطية الألمانية برمّتها؟

رمزية الصليب المعقوف: حين يستحيل التاريخ عبئًا على الحاضر

يُعرف الصليب المعقوف (Swastika) في الوعي الأوروبي الحديث باعتباره الرمز الرسمي للنازية، وقد اقترن مباشرة بفظائع الحرب العالمية الثانية والمحرقة اليهودية والعدوان العسكري الألماني. وبالرغم من أن جذور هذا الرمز تعود إلى ثقافات قديمة في آسيا وأوروبا – حيث كان يُستخدم في طقوس دينية وفنية كرمزٍ للحياة أو الشمس أو التوازن – فإن دلالته الحديثة باتت محصورة تمامًا بما مثّله النازيون بقيادة أدولف هتلر.

ولذلك، فإن أي محاولة لاستخدام هذا الرمز، حتى إن كانت بدافع الاحتجاج على النازية الجديدة أو اليمين المتطرّف، غالبًا ما تُواجَه بردود فعل قانونية وأخلاقية صارمة في ألمانيا، التي اختارت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن تُجرّم استخدام رموز النظام النازي بأي شكل من الأشكال، إدراكًا منها لثقل الإرث الذي ورثته، ولمسؤولية منع تكرار التاريخ بأي صورة كانت.

استقالة لا تمحو الخطأ… ولكنها تمنع الضرر

أمام هذا الواقع، لم يجد بورن خيارًا سوى تقديم استقالته من جميع مناصبه الحزبية، والتخلّي عن ترشحه للانتخابات المقبلة، حرصًا – كما قال – على ألا يتحمّل الحزب الاشتراكي الديمقراطي تبعات “خطئه الجسيم”. وقد جاء القرار بعد ضغوط كبيرة من قيادة الحزب، التي دعت إلى استقالته الفورية من البرلمان أيضًا، معتبرة أن الضرر المعنوي الذي لحق بالحزب لا يمكن تجاوزه من دون هذه الخطوة.

بورن، من جهته، قرر الاحتفاظ بمقعده النيابي حتى نهاية الدورة التشريعية، مُعلنًا عزمه على العمل مستقلًا، ومتابعة مسؤولياته تجاه منطقته في شفيتسينغن، رغم ما وصفه بـ”سيل الانتقادات” التي يتعرض لها.

بين التحذير والانزلاق: أين تقف حدود التعبير السياسي؟

القضية هنا تتجاوز مسألة “صواب أو خطأ”، لتطرح تساؤلات أعمق عن حدود التعبير السياسي المشروع في مجتمع ديمقراطي حساس كالمجتمع الألماني. هل يمكن تبرير استخدام رموز النازية على سبيل التحذير من خطر عودة الفاشية؟ أم أن مثل هذا السلوك يعيد – عن غير قصد – إحياء الذاكرة الجماعية المؤلمة، ويفتح الباب لتطبيع رموزٍ يفترض أنها باتت محرّمة؟

في حالة بورن، يبدو أن النية كانت تحذيرية، لكن الوسيلة المُعتمدة فشلت في إيصال الرسالة، وسرعان ما انقلب السحر على الساحر، فبات الرجل نفسه متهمًا بإساءة استخدام رمز مشين، بدل أن يُنظر إليه كمنبّه من خطر قادم.

“البديل” والخطر المتربص بالديمقراطية

لا يخفى على أحد أن صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” بات يشكّل تهديدًا صريحًا للمنظومة الديمقراطية الألمانية. فهو حزب لا يخفي عداءه للمهاجرين، ويعتمد خطابًا قوميًّا متشدّدًا، ويثير قلق المؤسسات الدستورية وحتى أجهزة الأمن الداخلي. وربما ما أراده بورن هو أن يقرع جرس الإنذار أمام ما يراه “اعتيادًا مقلقًا” على هذا الحزب، لكن رمزيته كانت مُفرطة في الصدمة، وغير قابلة للتبرير في السياق الألماني.

أحيانًا، حين نعجز عن التعبير بالكلمات، نلجأ إلى الرموز. لكن الرموز ليست محايدة. فهي تحمل تاريخًا، ووجعًا، ودلالاتٍ متراكمة يصعب تفكيكها. ورغم أن دانيل بورن لم يكن يروّج للنازية، فإن استحضار رمزها المروّع، حتى عن حسن نية، كان بمثابة كسرٍ للإجماع الأخلاقي الذي قامت عليه ألمانيا ما بعد الحرب.

ومع أن الرجل أخطأ، واستقال، واعتذر، فإن سؤاله لا يزال قائمًا: كيف نحذر من الخطر القادم دون أن نعيد إحياء شياطين الماضي؟

أورسولا كروغر – صحفية ألمانية مستقلة وباحثة في شؤون العدالة الانتقالية، تقيم في برلين وتكتب في سلامُنا بوست عن تجارب بناء السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية في العالم. عملت مراسلة ميدانية لعدة مؤسسات إعلامية ألمانية، وشاركت في تغطية ملفات حسّاسة تتعلّق بمخلفات الحروب، وقضايا اللجوء، والذاكرة الجماعية. تؤمن بأنّ السلام الحقيقي يبدأ من صراحة الاعتراف، وعمق الإصغاء.

Leave a comment