بقلم: نيكول دوبريه
سلامُنا بوست
لم يكن اسم نور عطاالله معروفًا في الأوساط الفرنسية أو الأوروبية قبل أسابيع قليلة. كانت مجرد طالبة فلسطينية من قطاع غزة، وصلت إلى فرنسا في يوليو 2025 بمنحة دراسية، ضمن برنامج إنساني خصصته باريس لعدد من طلبة غزة بعد الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023 بين إسرائيل وحركة حماس.
غير أن هذه الشابة التي بالكاد لامست أرض الحلم الأوروبي، وجدت نفسها فجأة في قلب جدل سياسي وإعلامي صاخب، انتهى بإلغاء تسجيلها في معهد العلوم السياسية في ليل، وفتح تحقيقين بحقها، ثم ترحيلها “طوعًا” إلى قطر لمواصلة الدراسة هناك، بعد اتهامها بالترويج لمحتوى معادٍ للسامية، وبعضه يرقى – بحسب الجهات الفرنسية – إلى تمجيد الإرهاب والدعوة إلى القتل.
الكلمة مسؤولية… ومضاعفة حين نُشرّعها للعموم
ما الذي يمكن أن يتعلّمه الإنسان من هذه القصة المؤلمة؟ لعلّ أولى العِبر تتعلّق بتلك اللحظة الحاسمة التي تفصل بين الفكرة وبين نشرها. ففي عالم منصّات التواصل، لم تعد الكلمة مجرّد تعبير ذاتي عابر، بل أصبحت وثيقة رقمية قابلة للاجتزاء، وللتحقيق، وللاستثمار السياسي، بل وللعقاب القانوني أيضًا.
نور، وفق محاميها، أنكرت بشدّة كل الاتهامات. واعتبر الدفاع أن “الاتهامات مبنية بشكل أساسي على تغريدات أعادت نشرها، منفصلة عن أي سياق”. وربما يكون هذا صحيحًا. لكن – وهنا جوهر الدرس – هل كانت نور تدرك، لحظة إعادة النشر، أن ما تفعله قد يُفسَّر بوصفه تمجيدًا للإرهاب؟ وهل كانت تدرك أن مجرد إعادة تغريد لمادة متطرفة قد يُفسَّر على أنه موقف شخصي؟
لا تهاون مع معاداة السامية… وهذا طبيعي
لا يمكن فصل قرار الحكومة الفرنسية بتجميد استقبال لاجئين من غزة، عن حساسية السياق السياسي الفرنسي الداخلي، ورفض باريس المطلق لأي ما يُعتبر تحريضًا على الكراهية أو العنف، خصوصًا ضد اليهود، في بلد شهد خلال السنوات الماضية تصاعدًا في الخطاب المتطرف، ومحاولات اختراق ممنهجة من قبل مجموعات راديكالية.
وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، لم يترك مجالًا للتأويل حين قال على منصة “إكس”: “غادرت نور عطاالله الأراضي الوطنية. لم يكن لها مكان هنا. قلتها وفعلناها”.
والرسالة هنا واضحة: فرنسا لا تتسامح مع أي خطاب يُفهم على أنه تحريض على العنف، لا سيّما إذا كان مرتبطًا بجرائم كراهية أو بمعاداة السامية. وهذه السياسة ليست جديدة، بل تزداد وضوحًا منذ اعتداءات باريس الإرهابية في 2015.
بين النية والتأويل: هل نحكم على الأشخاص أم على المنشورات؟
لن يكون من المنصف أن نحاكم نوايا الشابة نور عطاالله من دون إثبات قانوني واضح. بل إنّ بعض المستخدمين الإلكترونيين شككوا في صحة المنشورات المنسوبة إليها، مشيرين إلى أن الحساب أُغلق لاحقًا، وأن الصور المنتشرة مجتزأة ومأخوذة خارج السياق.
ومع ذلك، أعلن معهد العلوم السياسية في ليل أن “تعليقات الشابة على مواقع التواصل الاجتماعي مؤكدة”، وإن لم يُقدّم أي تفاصيل إضافية.
لكن، حتى في حال كانت المنشورات قديمة، أو أعيد نشرها من دون نية عدائية، يبقى السؤال الأخلاقي والأكاديمي قائمًا: ما الذي يدفع إنسانًا مقبلًا على حياة أكاديمية، وربما دبلوماسية أو بحثية في الغرب، إلى التسرّع بنشر أو إعادة نشر محتوى قابل للتأويل العدائي؟ وهل نُدرك حقًا، كأفراد، أن العالم يُمسك بسجلاتنا الرقمية كما يُمسك القضاء بسجلاتنا العدلية؟
مراجعة الذات… شرط الحداثة والنجاة
ربما كان على نور أن تتأمل أكثر قبل قبول المنحة. وربما كان على الجهات الفرنسية المعنية أن تدقق في خلفية المتقدمين أكثر. لكن ما يهمّني – أنا نيكول دوبريه – ليس الخوض في دهاليز السياسة، بل التوقف عند الدرس الأبسط، والأشدّ فاعلية: توقّف لحظة واحدة، وفكر مليًّا، قبل أن تنشر.
في عالم طغى فيه التوثيق الرقمي على كل شيء، لن تُغفر لك تغريدة عشوائية حتى لو كنتَ مراهقًا. ولن يُعفى عنك نقل منشور دون قراءة مضامينه بعمق.
إننا نعيش في زمن لم تعد فيه الحماسة عذرًا. ولا الغضب مبررًا. ولا “النية الطيبة” جواز عبور.
النهاية ليست درسًا لفرنسا فقط… بل لكلّ شاب وشابة
نور عطاالله لن تكون الأخيرة. هناك كثيرون يعيشون اليوم تحت وطأة التقييم المزدوج: كيف يراني مجتمعي؟ وكيف يراني العالم؟ وهذه المعضلة ليست عدالة دائمًا، لكنها واقع.
وأمام هذا الواقع، نحن بحاجة إلى ثقافة رقمية جديدة، لا تُقيّم القضايا فقط بمعاييرنا الشخصية، بل تضع في الحسبان أثر الكلمات، وأبعاد الصور، وما قد تجرّه من تداعيات.
أتمنى لنور حياة علمية مشرقة في قطر، كما أتمنى لكل طالب فلسطيني أن يجد فرصته دون أن تتحول منشوراته إلى لُغم تحت قدميه.
لكن الأمل الحقيقي؟ أن يكون ما جرى درسًا أخلاقيًا جماعيًا: لا تكتب لتفرّغ غضبك، بل لتبني فكرًا يستحق أن يُقرأ.
نيكول دوبريه – صحفية فرنسية مقيمة في لندن، متخصصة في تغطية النزاعات العابرة للحدود وقضايا التعددية الثقافية. عملت مراسلة ميدانية في الساحل الأفريقي، والشرق الأوسط، ومناطق ما بعد الاستعمار، وهي تسعى في كتاباتها إلى تسليط الضوء على قصص الأمل والصمود في وجه العنف والانقسام. ترى في الصحافة أداةً نبيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة الحوار.

Leave a comment