بوتين وترامب على مفترق الحسابات: ماذا تخبئ المهلة الأخيرة لأوكرانيا… وللعالم؟

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

في مشهد يختزل التوترات العالمية في مشهدين متوازيين، شهدت موسكو صباح اليوم الأربعاء لقاءً مغلقًا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب. اللقاء الذي جرى في الكرملين ظل محاطًا بالغموض، إذ لم يُدلِ الطرفان بأي تفاصيل عمّا دار خلف الأبواب الموصدة. لكن توقيته وحده كافٍ لفهم فحواه: ساعات قليلة تفصل روسيا عن انتهاء المهلة التي منحها ترامب لبوتين من أجل وقف الحرب على أوكرانيا، وإلا…

تهديد أميركي مزدوج: الاقتصاد أولًا

ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض وهو يحمل نَفَسًا احتوائيًا وتصعيديًا في آنٍ معًا، أمهل موسكو حتى يوم الجمعة المقبل لوقف عملياتها العسكرية، وإلا ستواجه عقوبات اقتصادية قاسية، تطالها وتطال الدول المستمرة في استيراد النفط الروسي.

هذا التهديد لا يأتي في فراغ، بل في سياق ما يشبه إعادة تشكيل لهيكل الردع الأميركي، حيث باتت الإدارة الأميركية ترى في الاقتصاد سلاحًا أكثر فاعلية من الجيوش، شرط أن يُستخدم بجرعة ضغط عالية، وتوقيت محسوب بدقة.

موسكو تختبر خطوط الرجعة

اللقطات التي بثّتها وكالة “تاس” صباح اليوم، والتي أظهرت ويتكوف يتجول في حديقة زاريادي قرب الكرملين بصحبة كيريل دميترييف – مهندس المفاوضات الروسية الأوكرانية في إسطنبول – لم تكن مجرد مشهد بروتوكولي عابر. دميترييف، الذي قاد محادثات بين موسكو وكييف وأخرى مع الأميركيين، يحاول اليوم أن يلعب دور الميسّر لتفادي انفجار محتمل في العلاقة مع واشنطن.

لكن حتى اللحظة، لا شيء يوحي بأنّ نتائج اللقاء كانت إيجابية. فالمهلة تمضي، والحرب تتواصل.

الميدان لا يهادن… والمجتمع الدولي يترقّب

ليل الثلاثاء – الأربعاء، كانت زابوريجيا على موعد مع موجة جديدة من العنف الروسي، إذ استهدفت القوات الروسية مركزًا ترفيهيًا في المدينة، ما أسفر عن مقتل مدنييْن وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان. القنابل الانزلاقية التي استُخدمت في الهجوم تحمل رسالة ميدانية صريحة: بوتين لا يرى في المهلة الأميركية سوى ورقة تفاوض، لا أكثر.

في المقابل، جاءت ردود كييف واضحة. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وصف الضربة بأنها “لا تمتّ إلى المنطق العسكري بصلة”، معتبرًا إياها مجرّد “وحشية بهدف الترهيب”. كما لم يفوّت الفرصة لتجديد دعوته واشنطن وحلفاءها إلى “تكثيف أدوات الضغط” على روسيا، مشيرًا إلى أن الكرملين “لن يتحرك بجدية إلا عندما يشعر بوطأة العقوبات”.

هل تنجح دبلوماسية اللحظات الأخيرة؟

قد يبدو لقاء ويتكوف – بوتين محاولة أخيرة لدرء المواجهة الاقتصادية الشاملة، ولكنّ المشهد العام لا يبعث على التفاؤل. فأوروبا مترددة، والبيت الأبيض متصلّب، وروسيا مستعدة للمزيد من الصبر الميداني، ولو على حساب المدنيين.

إذا لم تُفضِ الساعات المقبلة إلى تقدم ملموس على طاولة المفاوضات، فقد تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أكثر وحشية، ليس من باب التصعيد العسكري فقط، بل من بوابة الانهيار الاقتصادي المتبادل الذي قد يُشعل بدوره نزاعات إقليمية أو يُعيد خلط أوراق التحالفات الدولية.

نحو مرحلة جديدة من الحرب… والعقوبات

لا شك أنّ ما بعد يوم الجمعة سيكون مختلفًا عن ما قبله. فإذا نفّذت الولايات المتحدة تهديدها، فسنكون أمام اختبار غير مسبوق لقدرة الاقتصاد الروسي على الصمود، ولقدرة العالم على تحمّل تبعات التصعيد، خصوصًا في سوق الطاقة.

أما إذا نجح الدبلوماسيون في تحقيق اختراق، ولو شكلي، فقد يتنفس العالم الصعداء مؤقتًا، إلى حين المعركة المقبلة… لأن في هذا النزاع، يبدو أن السلام لا يُوقّع، بل يُؤجَّل.

سيرينا جمال دملج – كاتبة لبنانية روسية، تنشط في المجال الثقافي والبحثي من خلال مقالات تعكس هواجس جيلها في زمن التحوّلات الكبرى. تكتب بحدسٍ إنسانيّ رقيق، وبمنظار ناقد ينبض بالأمل، حتّى حين تكتب عن أكثر المشاهد قتامة.

Leave a comment