صفقة السلام بين أرمينيا وأذربيجان: بين نشوة الإنجاز ومخاوف الجغرافيا السياسية

بقلم: أورسولا كروغر

سلامُنا بوست

في خطوة وُصفت بالتاريخية، وقّع رئيسا أرمينيا وأذربيجان، نيكول باشينيان وإلهام علييف، يوم الجمعة في واشنطن، اتفاق سلام بوساطة أميركية، وبحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب. الاتفاق، الذي جاء بعد ما يقارب أربعة عقود من الصراع الدموي في إقليم كاراباخ، لقي ترحيبًا واسعًا من المجتمع الدولي، إذ رأت فيه العديد من القوى الإقليمية والدولية بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية الاقتصادية في جنوب القوقاز.

لكنّ هذا التفاؤل لم يكن شاملًا؛ إذ أبدت إيران اعتراضًا واضحًا على مشروع الممرّ المزمع إنشاؤه في القوقاز ضمن بنود الاتفاق، معتبرة أنه يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وحذّرت من العواقب السلبية لأي تدخّل أجنبي قرب حدودها.

تأييد روسي وأوروبي وأممي

روسيا، ومعها المعارضة الجورجية ورئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه، عبّروا عن دعمهم للاتفاق، واصفين إيّاه بانطلاقة نحو عصر جديد من السلام والازدهار. الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة انضما بدورهما إلى موجة الترحيب، مشددَين على أن الاتفاق يفتح الباب أمام سلام دائم بين باكو ويريفان.

وفي بيان رسمي، لخّص الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية المسار الذي قاد إلى هذه اللحظة الحاسمة، مشيرًا إلى أن الانتهاء من صياغة نص الاتفاق في مارس الماضي كان خطوة محورية، وأن التفاهم الحالي يستند إلى الاعتراف المتبادل بالسيادة والسلامة الإقليمية وعدم المساس بالحدود، وفق إعلان ألما-آتا لعام 1991.

من حرب كاراباخ إلى طاولة السلام

اندلع الصراع بين أرمينيا وأذربيجان في أواخر الثمانينيات على خلفية النزاع حول إقليم كاراباخ، ليتحوّل إلى حرب شاملة أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا وخلّفت جراحًا عميقة في الذاكرة الجماعية للشعبين. وفي سبتمبر 2023، استعادت أذربيجان السيطرة الكاملة على الإقليم بعد حملة عسكرية ناجحة، ما مهّد الطريق أمام المفاوضات النهائية التي أفضت إلى اتفاق الجمعة.

الاتفاق الجديد لا يقتصر على إنهاء حالة الحرب، بل يسعى إلى ترسيخ أسس تعاون اقتصادي وأمني طويل الأمد بين الطرفين، وإن كانت التحفّظات الإيرانية تنذر بأن الطريق إلى سلام مستقر قد يظل محفوفًا بالتحديات.

حين يختبر التاريخ صبر الجغرافيا

أكتب هذه السطور وأنا أستعيد مشهد التوقيع في واشنطن، وأتساءل: كم من الحبر أُريق على أوراق السلام قبل أن يجفّ الدم على الأرض؟ في القوقاز، كما في غيره من بقاع العالم، لا تكفي الكلمات وحدها لردم هوة الخوف والعداء، فالتاريخ هنا عنيد، والجغرافيا لا ترحم.

أعرف أن أي خريطة جديدة في هذه المنطقة تشبه رقصة على حافة الهاوية؛ يكفي أن يختلّ الإيقاع حتى تسقط الأطراف في هاوية جديدة من الصراع. وإيران، التي تراقب من وراء الحدود، ليست وحدها من تخشى التداعيات، فالممرّات ليست مجرد طرق للنقل، بل مسارات لإعادة تشكيل النفوذ.

لكنني، رغم كل الشكوك، أفضّل أن أؤمن بأن هذه اللحظة، على هشاشتها، قد تمنح شعوب أرمينيا وأذربيجان فرصة لالتقاط أنفاسها. فالسلام، حتى وإن بدأ كورقة موقّعة في قاعة فخمة، يمكن أن يتحوّل إلى واقع إذا وجدت الإرادة الشعبية من يترجمه إلى حياة آمنة ومزدهرة. وفي النهاية، ربما يتعلّم التاريخ نفسه أن يختبر صبر الجغرافيا… لا أن يختبر قدرتها على الاحتراب.

أورسولا كروغر – صحفية ألمانية مستقلة وباحثة في شؤون العدالة الانتقالية، تقيم في برلين وتكتب في سلامُنا بوست عن تجارب بناء السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية في العالم. عملت مراسلة ميدانية لعدة مؤسسات إعلامية ألمانية، وشاركت في تغطية ملفات حسّاسة تتعلّق بمخلفات الحروب، وقضايا اللجوء، والذاكرة الجماعية. تؤمن بأنّ السلام الحقيقي يبدأ من صراحة الاعتراف، وعمق الإصغاء.

Leave a comment