بين قمم ألاسكا والبيت الأبيض: هل ينجح ترامب في رسم ملامح تسوية لأوكرانيا؟

سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

في خضم الجهود الدولية المتعثرة لإيجاد تسوية تنهي الحرب الروسية المستعرة في أوكرانيا منذ فبراير/شباط 2022، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحات عكست إدراكه العميق لتعقيدات الأزمة. فالرئيس الأميركي لم يُخفِ صعوبة جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول طاولة واحدة، بل شبّه الأمر بمحاولة “خلط الزيت بالماء”. ومع ذلك، أبقى ترامب باب الأمل مواربًا حين قال إن البحث عن سبل التعاون لا يزال قائمًا، مكتفيًا بجواب مقتضب على سؤال حول مشاركته شخصيًا في لقاء كهذا: “سنرى”.

أجواء باردة في ألاسكا… ودفء حذر في واشنطن

تصريحات ترامب جاءت بعد القمة التي جمعته بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وهي قمة كشفت عن هوة واسعة بين واشنطن وموسكو في ما يتعلق بالملف الأوكراني، رغم محاولات الطرفين الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة. وما هي إلا أيام قليلة حتى استضاف ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، في لقاء بدا وكأنه محاولة أميركية لموازنة الصورة عبر منح كييف جرعة دعم معنوية في مواجهة موسكو. ولم تلبث هذه التحركات أن اتسعت مع انضمام القادة الأوروبيين لاحقًا إلى النقاش، في مشهد عكس القلق العميق داخل الاتحاد الأوروبي من طول أمد الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية.

موسكو تتمسك بالصلابة وكييف تتهم بالمماطلة

لكنّ كل تلك المساعي لم تُفضِ إلى كسر الجمود. فقد شدّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوضوح على أنه “لا خطط لعقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي”، موضحًا أن الكرملين لن يقبل بمحادثات شكلية من دون جدول أعمال ملموس. في المقابل، اتهمت كييف موسكو بعرقلة أي مسار سياسي، معتبرة أن روسيا تراهن على إطالة أمد الحرب لاستنزاف أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا. وهكذا وجد ترامب نفسه في مواجهة واقع شديد التعقيد، لا يملك حياله سوى محاولة تحريك مياه راكدة تبدو أحيانًا أثقل من أن تتحرك.

أوروبا بين الحضور الثقيل والخيارات المحدودة

الأوروبيون الذين انضموا إلى مساعي البيت الأبيض حملوا بدورهم مواقف متباينة. ففرنسا وألمانيا تميلان إلى التشديد على الحوار السياسي ولو من موقع صعب، بينما تدفع بولندا ودول البلطيق نحو مقاربة أكثر تشددًا مع موسكو. هذه الانقسامات أضعفت الموقف الأوروبي الجماعي، وجعلت من القارة العجوز لاعبًا حاضرًا بقوة في الميدان الإنساني والاقتصادي، لكنه محدود التأثير على طاولة المفاوضات الكبرى.

حرب أوكرانيا… استنزاف مفتوح منذ 2022

ما يزيد من قتامة المشهد أن الحرب التي اندلعت قبل أكثر من ثلاث سنوات تحولت إلى صراع استنزاف مفتوح، دمّر مدنًا بكاملها وشرّد ملايين الأوكرانيين، من دون أن تلوح في الأفق نهاية وشيكة. أمام هذا الواقع، تبدو قمة ألاسكا وقمة البيت الأبيض، ومعهما اللقاءات الأوروبية، كأنها محاولات متكررة لكسر دائرة مغلقة، لكن من دون القدرة حتى الآن على تغيير قواعد اللعبة.

وفي النهاية، يظل السؤال مطروحًا: هل يستطيع ترامب، وهو العائد إلى البيت الأبيض بآمال كبيرة، أن يحوّل محاولاته المترددة إلى مبادرة حقيقية قادرة على الجمع بين “الزيت والماء”، أم أن أوكرانيا ستبقى عالقة في حرب لا نهاية لها؟

وأنا أكتب هذه السطور، لا يسعني إلا أن أستعيد صورة اللقاءات التي تابعتها بعينيّ المتعبتين من مشهد الحرب الطويل. أحيانًا أشعر أن العالم يجرّب وصفاته الدبلوماسية على جرح أوكرانيا النازف، كما لو أنّ الدماء يمكن أن تكون موضوعًا للمساومات الباردة. في ألاسكا بدا الصقيع أعمق من أي دفء محتمل، وفي واشنطن لاحت بارقة أمل، لكنها سرعان ما تلاشت تحت ثقل الحسابات السياسية.

كابنة لمدرسة الاستشراق التي تؤمن بأنّ الحروب لا تنتهي إلا حين يكتشف المتحاربون معنى الانتماء المشترك، أجد نفسي أتساءل: هل يمكن حقًا أن يلتقي بوتين وزيلينسكي يومًا على أرضية صلبة؟ أم أنّ لعبة “الزيت والماء” ستظل عنوانًا لزمن لا يعرف سوى الانقسام؟

ربما يبقى الجواب معلقًا، لكن قلبي يقول لي إنّ السياسة، مهما طالت قسوتها، ستضطر يومًا إلى الإصغاء إلى صوت البشر البسطاء الذين يريدون أن يعيشوا بسلام… فقط بسلام.

سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية. تكتب في ضمير المتكلّم نصوصًا تحليلية تستند إلى خلفيتها الأكاديمية، دون أن تفقد بعدها الإنساني.

Leave a comment