فرنسا على صفيح ساخن: سبتمبر الإضرابات والاحتجاجات

نيكول دوبريه

سلامُنا بوست

أكتب هذه السطور من مكتبي الصغير في لندن، حيث أتابع أخبار باريس بقلق يشبه الحنين. على الرغم من أنني ابتعدت جسديًّا عن شوارعها منذ سنوات، فإن كل ارتجاج في المجتمع الفرنسي يهزّ داخلي شيئًا عميقًا، كأنني ما زلت أستقلّ المترو بين “غار دو نور” و”الحي اللاتيني”.

ومع اقتراب سبتمبر، يتبدّى أن فرنسا تستعدّ لواحد من أكثر مواسمها الاجتماعية اضطرابًا منذ سنوات. لم يعد المشهد مقتصرًا على إضراب قطاع هنا أو تحرك نقابي هناك؛ بل باتت التعبئة مرشّحة لأن تشمل الطيف الأوسع من المهن والشرائح: من سائقي سيارات الأجرة، إلى عمال السكك الحديدية، إلى الصيادلة، مرورًا بالأطباء والممرضين والطلاب الثانويين.

وإذا كانت حرارة الصيف قد انطفأت، فإن حرارة الشارع الفرنسي تتصاعد لتضع حكومة رئيس الوزراء فرانسوا بايرو أمام امتحان قاسٍ: إلى أي مدى يمكن لسياسات التقشف أن تمرّ من دون أن تزلزل الاستقرار الاجتماعي والسياسي؟

خلفية الأزمة: تقشف يفتح أبواب الغضب

إعلان الحكومة الفرنسية في يوليو/تموز عن مشروع موازنة تقشّفية تضمّن إجراءات حساسة – مثل إلغاء يومين من الإجازات الرسمية – كان الشرارة الأولى التي أطلقت موجة الاحتجاجات. قراراتٌ قد تبدو “محاسبية” في دفتر الحكومة، لكنها تُترجم في حياة المواطن العادي إلى مساس بالحقوق المكتسبة على مدى عقود.

ولعلّ ما زاد الطين بلة هو شعور الفرنسيين بأن الدولة تختار الطريق الأسهل: تحميل الطبقات الوسطى والعاملة ثمن الإصلاحات، بدل البحث عن حلول جذرية لمشكلات الهدر والفساد والامتيازات الخاصة.

خريطة التحرّكات: “لنغلق كل شيء”

الحملة الشعبية التي أُطلقت عبر شبكات التواصل تحت شعار “لنغلق كل شيء” (Bloquons tous) ليست مجرّد دعوة رمزية. إنها تعبير عن ذهنية جديدة في الاحتجاج، حيث تتلاقى القوى النقابية مع التعبئة الرقمية، لتعلن شللًا شبه كامل في 10 سبتمبر.

السكك الحديدية: نقابة “سود رايل” حشدت قاعدتها العمالية، معتبرة أن التقشف يهدّد “المكاسب الاجتماعية” التي صانت كرامة العامل الفرنسي لعقود.

الصيدليات: الاستياء متصاعد بسبب التوجه لتقليص التخفيضات على الأدوية الجنيسة، ما يُعتبر ضربة مباشرة لهوامش ربحها وقدرتها على الصمود.

المستشفيات: أكثر من 100 ألف موظف في 38 مستشفى بالعاصمة يستعدون لمعركة للدفاع عن نظام الصحة العامة.

سيارات الأجرة: تحركات تبدأ قبل الموعد الكبير (5 سبتمبر)، مع خطط لإغلاق المطارات ومحطات القطارات وجادة الشانزليزيه.

الطلاب الثانويون: انضمامهم للحراك عبر اتحادهم النقابي يضيف بُعدًا رمزيًا خطيرًا، إذ بات جيل الشباب يرى نفسه ضحية مباشرة لـ”سياسات التقشف التي تدمر التعليم”.

قراءة في العمق: فرنسا بين إرث دولة الرعاية وضغط السوق

المشهد الفرنسي ليس جديدًا في تاريخه السياسي. فمنذ انتفاضات 1968 مرورًا بإضرابات التسعينيات، كان الشارع دائمًا الملاذ الأخير لمواجهة ما يُنظر إليه كـ”اعتداء على الحقوق المكتسبة”. لكن الجديد اليوم هو أن الدولة تجد نفسها في مأزق مزدوج: أزمة اقتصادية أوروبية متجددة تفرض عليها التشدّد في الإنفاق. ومجتمع فرنسي أكثر تنوعًا وانقسامًا، لم يعد يتعامل مع القرارات الحكومية بمنطق التفاوض بل بمنطق المواجهة.

في ظل هذه الظروف، تبدو حكومة بايرو وكأنها عالقة بين مطرقة الأسواق وسندان الشارع. فالتراجع عن الإجراءات قد يُفقدها صدقيتها أمام المؤسسات المالية، والمضي بها قد يفتح الباب أمام شتاء احتجاجي طويل يقوّض الاستقرار السياسي.

خاتمة: نظرة من بعيد… وقلق لا يهدأ

أكتب وأنا أعلم أنني أعيش اليوم بعيدًا عن صخب باريس، لكنّ البعد لا يُلغي الارتباط. فرنسا بالنسبة إليّ ليست مجرّد بلد وُلدت فيه، بل هي ذاكرة ولغة وعنوان عاطفي دائم. من هنا، يساورني القلق من أن يتحوّل سبتمبر/أيلول إلى لحظة فاصلة: إمّا أن تُعيد فرنسا تعريف عقدها الاجتماعي، أو تدخل في دوامة من الاضطرابات يصعب التكهن بنهايتها.

وأنا، كفرنسية تقيم في لندن، لا أملك سوى أن أتابع وأكتب وأتمنى أن تعثر بلادي على الطريق الذي يحفظ كرامة مواطنيها ويصون إرثها الاجتماعي العريق.

نيكول دوبريه – صحفية فرنسية مقيمة في لندن، متخصصة في تغطية النزاعات العابرة للحدود وقضايا التعددية الثقافية. عملت مراسلة ميدانية في الساحل الأفريقي، والشرق الأوسط، ومناطق ما بعد الاستعمار، وهي تسعى في كتاباتها إلى تسليط الضوء على قصص الأمل والصمود في وجه العنف والانقسام. ترى في الصحافة أداةً نبيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة الحوار.

Leave a comment