بقلم: أورسولا كروغر
سلامُنا بوست
قرأتُ البارحة مقالًا لجون بولتون في صحيفة التلغراف تناول فيه مسألة لبنان من زاوية شديدة الحِدّة، إذ اعتبر أن الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط يمرّ حصرًا عبر تحرير هذا البلد من “الإرهاب الإسلامي”. ومن الواضح أنّ خطابًا بهذه القسوة يعكس الخلفية السياسية لصاحبه، بقدر ما يعكس القلق الغربي من استمرار لبنان أسيرًا للتجاذبات الإقليمية.
معضلة “حزب الله” المزمنة
لا شك أنّ لبنان يقف اليوم أمام سؤال وجودي صعب: هل يستطيع أن يتجاوز عقودًا من الحروب والدمار والانقسامات الداخلية، أم أنّه سيبقى عالقًا في دوامة صراع أهلي وهيمنة ميليشياوية؟ هنا تحديدًا يطلّ “حزب الله” كفاعل أساسي، إذ حكم من وراء الستار لعقود طويلة بالقوة المسلحة، فيما يستمدّ دعمه الحقيقي من طهران أكثر مما يستمدّه من بيئته الشعبية.
ذاكرة الصراع وقرارات غير مكتملة
يشير بولتون إلى أن جذور الأزمة تعود إلى أوائل الثمانينيات، حين قاد الحرس الثوري الإيراني سلسلة من العمليات في بيروت، كانت بمثابة الشرارة الأولى لما سمّاه “الحرب الإرهابية العالمية”. ويرى أن ما حدث بعد هجمات 7 أكتوبر غيّر المشهد جذريًا، بعدما دمّرت إسرائيل جزءًا من قدرات “حزب الله” وألحقت به خسائر جسيمة، وإن لم تتمكّن من القضاء عليه نهائيًا.
لكن، وكما أقرّ بولتون نفسه، فإن “الأفعى عُقرت ولم تُقتل”. فما زال الحزب يمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وما زال يُمسك بمعادلة داخلية معقّدة تجعل من كل محاولة لنزع سلاحه مسعى محفوفًا بالمخاطر. وهنا تعود الذاكرة إلى قرار مجلس الأمن 1701 في عام 2006، الذي دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتعزيز دور القوات الدولية. قرار بدا في حينه كمدخلٍ إلى تسوية داخلية، لكنه سقط أمام حسابات إيرانية–إسرائيلية متناقضة، وأمام لامبالاة دولية أسهمت في إطالة أمد المأزق.
ما بعد “اليونيفيل”
اليوم، مع اقتراب انتهاء تفويض قوات “اليونيفيل” في 2026، يعود النقاش إلى المربّع الأول: كيف يمكن للبنان أن يستعيد سيادته الداخلية من دون أن يتحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين طهران وتل أبيب؟ بولتون يقترح أن يتوجّه الغرب نحو دعم مباشر للجيش اللبناني، وأن ينخرط في شراكات ثنائية بعيدًا عن الأمم المتحدة، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يدعو إلى تعاون لبناني–إسرائيلي صريح.
هذه الطروحات قد تبدو واقعية على الورق، لكنها تتجاهل التعقيدات العميقة في البنية اللبنانية. فالتعاون مع إسرائيل ليس مجرّد مسألة تقنية أو عسكرية، بل يرتبط بتاريخ طويل من الحروب والاحتلالات والجروح التي لم تندمل بعد في الذاكرة الجماعية للبنانيين. كما أنّ أي مسعى لعزل “حزب الله” سياسيًا من دون معالجة جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية سيظلّ محكومًا بالفشل.
الإشارات المتناقضة من سوريا
اللافت أنّ بولتون استحضر مثال سوريا، حيث رفضت السلطة التي أعقبت الأسد استقبال علي لاريجاني أو السماح له بعبور أجوائها نحو لبنان، ليعتبر ذلك إشارة مشجّعة. لكنّ هذه الإشارة نفسها تذكّرنا بأنّ المنطقة كلّها ما زالت أسيرة معادلات هشّة، وأنّ القوى التي تتبدّل أدوارها قد تحمل معها تناقضات لا تقلّ خطورة.
ما يحتاجه لبنان فعلًا
من هنا، أرى أنّ لبنان بحاجة إلى أكثر من مقاربة أمنية. إنّه يحتاج إلى مشروع متكامل يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويضع حدًا لتداخل الولاءات الخارجية، ويمنح المواطنين الثقة بأنّ التغيير ممكن من الداخل لا بانتظار معارك الآخرين.
قد يكون حلم رؤية لبنان حرًا، ديمقراطيًا، ومستقلًا عن الهيمنة الإيرانية وعن سطوة السلاح خارج الدولة حلمًا مشروعًا وملحًا. لكن تحقيقه لا يمكن أن يتمّ بقرارات فوقية أو بوصايات خارجية فحسب، بل عبر مسار طويل من بناء الثقة الداخلية وإعادة التوازن بين مكوّنات المجتمع اللبناني.
بيروت… وضمير المتكلّم
وأنا أكتب هذه السطور، أستعيد زيارتي الأولى إلى بيروت منذ سنوات. كان المشهد يومها مزيجًا من الحزن والجمال، من التناقضات التي تُرهق الروح وتُدهشها في الوقت نفسه. شعرت أنّ هذا البلد، رغم هشاشته الظاهرة، يمتلك طاقة حياة لا تُقهر. وربما هنا تكمن الإجابة التي لم يُدركها بولتون: فلبنان ليس مجرد ساحة صراع إقليمي، بل وطن يصرّ على البقاء حيًا مهما كانت العواصف.
أورسولا كروغر – صحفية ألمانية مستقلة وباحثة في شؤون العدالة الانتقالية، تقيم في برلين وتكتب في سلامُنا بوست عن تجارب بناء السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية في العالم. عملت مراسلة ميدانية لعدة مؤسسات إعلامية ألمانية، وشاركت في تغطية ملفات حسّاسة تتعلّق بمخلفات الحروب، وقضايا اللجوء، والذاكرة الجماعية. تؤمن بأنّ السلام الحقيقي يبدأ من صراحة الاعتراف، وعمق الإصغاء.

Leave a comment