نيكول دوبريه
سلامُنا بوست
تقول الأرقام إن الإنفاق العسكري الأوروبي سيصل في عام 2025 إلى 381 مليار يورو، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الاتحاد الأوروبي. وبحسب وكالة الدفاع الأوروبية، فإن قرابة 130 مليار يورو من هذا المبلغ ستذهب إلى استثمارات تشمل تطوير أسلحة جديدة، في وقت تتسابق فيه دول القارة العجوز على إظهار التزامها تجاه ضغوط حلف شمال الأطلسي (الناتو) والبيت الأبيض.
منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، لم يعد أحد يشكك في أن أوروبا دخلت منعطفًا جديدًا في علاقتها مع مفهوم الأمن والدفاع، خصوصًا بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب معايير أكثر صرامة على حلفائه الأوروبيين، ودفعهم إلى تخصيص ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق المرتبط بالأمن، بما في ذلك الدفاع التقليدي، والبنية التحتية، والأمن السيبراني.
خوف مشروع أم ذريعة لتكريس صناعة الحرب؟
صحيح أن أجهزة الاستخبارات الغربية لا تكفّ عن التحذير من احتمال أن تعمد موسكو إلى اختبار صلابة الناتو بمهاجمة إحدى دوله خلال ثلاث إلى خمس سنوات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل الحلّ يكمن فعلًا في ضخّ المزيد من الأموال في شرايين مصانع السلاح، أم أن المسألة تتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج معادلة قديمة مفادها أن الأمن لا يتحقق إلا عبر التفوق العسكري؟
عندما أقرأ مثل هذه الأخبار، لا يسعني إلا أن أتساءل: إلى أي حدّ تتحكم شركات تصنيع الأسلحة في رسم السياسات الأوروبية؟ أليس من المثير للانتباه أن خطة “سايف” (SAFE)، التي أطلقتها المفوضية الأوروبية لتقديم قروض دفاعية بقيمة 150 مليار يورو، قد لاقت إقبالًا واسعًا من 19 دولة عضو؟ كأننا أمام سباق مفتوح على الاقتراض فقط لتلبية متطلبات الدفاع، لا لبناء المدارس أو المستشفيات أو مراكز الأبحاث.
ماذا لو أنفقنا هذه المبالغ على السلام؟
لنتخيّل للحظة أن هذه 381 مليار يورو وُجّهت بدلًا من ذلك إلى نشر ثقافة السلام والتعايش، وإلى دعم برامج تربوية وتعليمية تُخرِج أجيالًا أقل عدائية وأكثر قدرة على الحوار.
لنتخيّل أن أوروبا أنفقت هذه الأموال على مشاريع بيئية مشتركة، أو على استيعاب موجات اللجوء عبر إدماج إنساني واقتصادي فعّال، بدلًا من النظر إلى اللاجئين كتهديد أمني محتمل.
لنتخيّل أن نصف هذا المبلغ فقط خُصّص لدعم البحوث العلمية في مجال الطب أو الذكاء الاصطناعي أو الطاقة المتجددة. ألن تكون هذه هي الاستراتيجية الأكثر واقعية لحماية مستقبل القارة؟
بين هواجس الأمن وأحلام التعايش
لا أُنكِر أن التهديدات حقيقية، وأن روسيا بنظرة كثيرين في الغرب لا تزال خصمًا استراتيجيًا، لكن الهواجس الأمنية مهما تضخّمت لا يمكن أن تلغي حقيقة بديهية: الأمن الحقيقي لا يتحقق بالدبابات والصواريخ، بل بالثقة المتبادلة وببناء شبكات المصالح المشتركة.
أوروبا اليوم أمام امتحان عسير: إما أن ترهن مستقبلها لصناعة الحرب، أو أن تُغامر برسم طريق جديد يُعلي من شأن السلام بوصفه استثمارًا طويل الأمد. وأنا، كصحفية أوروبية أعيش يوميًا هواجس القارة وتناقضاتها، لا أملك إلا أن أرفع هذا السؤال البسيط في وجه صُنّاع القرار: ماذا لو أنفقت أوروبا هذه المليارات على صناعة السلام بدلًا من سباق التسلح؟
نيكول دوبريه – صحفية فرنسية مقيمة في لندن، متخصصة في تغطية النزاعات العابرة للحدود وقضايا التعددية الثقافية. عملت مراسلة ميدانية في الساحل الأفريقي، والشرق الأوسط، ومناطق ما بعد الاستعمار، وهي تسعى في كتاباتها إلى تسليط الضوء على قصص الأمل والصمود في وجه العنف والانقسام. ترى في الصحافة أداةً نبيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة الحوار.

Leave a comment