بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
لم يكن خبر رحيل جورجيو أرماني مجرّد سطر في بيان صحافي، بل كان أشبه بارتجافة في قلب كل من أحبّ الأناقة بوصفها فنًّا للحياة، لا مجرد موضة تتبدّد مع المواسم. عن واحدٍ وتسعين عامًا، أسدل هذا الرجل العظيم ستارة مسيرته، تاركًا وراءه عالَمًا أكثر جمالًا مما كان عليه.
شاعر القماش
لطالما بدا أرماني أقرب إلى شاعرٍ يكتب بقماش بدلًا من الكلمات. كان يرفض أن تُختزل دار أزيائه في أرقام البورصة أو تقلبات الأسواق، مفضّلًا أن تبقى رؤيته حرّة، مستقلة، وفيةً للحلم الذي صاغه منذ أن أسّس بيته في ميلانو عام 1975. لم يساوم على صدقه ولا على إيمانه بأن البساطة هي قمّة الرقي، وأن الأناقة لا تحتاج إلى صخب لتعلن حضورها.
الغياب الأخير
في الأشهر الأخيرة، ومع تدهور صحته، غاب عن عروضه في ميلانو وباريس. وكأن الغياب كان يهيّئ القلوب لوداعٍ صعب، لكنه لم ينتقص من حضور روحه الذي ظلّ يرفرف فوق كل منصة عرض. واليوم، حين نعبر صفحات الصحف ونقرأ كلمات الحزن في بيان مجموعته، ندرك أن الفراغ الذي خلّفه لا يُقاس.
إرث يتجاوز الموضة
لم يكن أرماني مجرد مصمّم. كان، كما قال وزير الثقافة الإيطالي، رمزًا للهوية الإيطالية، وصوتًا للأناقة التي عبرت من الموضة إلى السينما والمجتمع. أما دوناتيلا فيرساتشي، فقد عبّرت بصدق حين كتبت أن العالم خسر “عملاقًا”. أجل، لقد خسرنا عملاقًا، لكن إرثه سيبقى، لأن العملاقة الحقيقية لا تموت بمجرّد أن يغيب أصحابها عن الدنيا.
وداع شخصي
وأنا، كواحدة من ملايين النساء والرجال الذين استلهموا من تصاميمه معنى الرقي الهادئ، أشعر اليوم أنني فقدت صديقًا لم ألتقه يومًا. صديقًا كان يذكّرنا بأن الجمال ممكن، حتى وسط ضجيج هذا العالم الفوضوي.
ربما نودّع جسده، لكننا لا نودّع صوته الذي حوّل الأناقة إلى لغة إنسانية عابرة للحدود. سيظلّ جورجيو أرماني حيًّا في كل فستان بسيطٍ يشعّ وقارًا، وفي كل بدلةٍ تمنح صاحبها ثقةً صامتة، وفي كل ذكرى صنعتها تصاميمه في وجدان محبيه.
واليوم، لا أجد ما أكتبه أكثر من كلمة واحدة: شكرًا يا أرماني، لأنك جعلت العالم أكثر جمالًا، ولأنك علمتنا أن الأناقة، في جوهرها، ليست ثوبًا نرتديه، بل طريقة لنكون… وكأنك تهمس لنا في الوداع: الأناقة لا تفنى… إنها شكل آخر للحياة.
إميلي غرينوود – صحفية بريطانية وباحثة في شؤون السلام العالمي، حاصلة على درجات علمية في الفلسفة السياسية من جامعتي كامبريدج وأكسفورد. عملت في برامج دولية للمصالحة المجتمعية وفض النزاعات، وساهمت في تغطية ملفات حساسة من أفريقيا إلى أوروبا الشرقية. تكتب في ضمير المتكلّم مقالات وجدانية عن الكلفة الخفية للحروب، والسبل الممكنة لبلسمة المجتمعات الممزقة.

Leave a comment