قُصر نظر أردوغان في إدارة الأزمات: من “السوخوي” إلى غزة

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

لم يكن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخير، الذي صبّ فيه جام غضبه على بنيامين نتنياهو ونعته بـ”الطاغية الكافر”، سوى حلقة جديدة في سلسلة ردود أفعال انفعالية تكرّرت منذ سنوات، من دون أن تترجم إلى أوراق ضغط حقيقية تضع أنقرة في موقع اللاعب المؤثر على المسرح الدولي. بل على العكس، عزّزت تلك الخطابات صورة “الزعيم الشعبوي” الذي يكتفي بالمزايدات الخطابية، في وقت تتسع فيه رقعة الأزمات في الإقليم، وعلى رأسها الحرب المستمرة في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.

الإسلام السياسي: السحر الذي انقلب على الساحر

منذ أن أطاح أردوغان ورئيسه عبد الله غُل بأستاذهما نجم الدين أربكان عام 2002، وقدّموا أنفسهم كنسخة “معتدلة” من الإسلام السياسي قادرة على التماهي مع متطلبات الغرب، بدا أن تركيا تقف على أعتاب لحظة مفصلية. لكن ما تلا ذلك لم يكن سوى انزلاق تدريجي إلى ممارسات براغماتية، عجزت عن تثبيت أنقرة كمرجعية إسلامية أو كقوة إقليمية صلبة. فالمشروع الذي بُني على دمج الدين بالسياسة سرعان ما كشف عن محدوديته، حيث اصطدم بصلابة النظام الدولي وبالمعادلات المعقّدة في الشرق الأوسط، ليصبح أشبه بسحرٍ انقلب على الساحر.

إخفاقات متراكمة: من “السوخوي” إلى الخاشقجي

يمكن تتبع قُصر نظر أردوغان من خلال محطات بارزة: عام 2015، حين ورّط تركيا، أطلسيًا، بإسقاط مقاتلة “سوخوي” روسية على تخوم الحدود السورية – التركية، ما فتح الباب أمام أزمة عميقة مع موسكو كادت تكلّف أنقرة موقعها الاستراتيجي.

وفي عام 2018، حين حاول استثمار حادثة تصفية الصحفي السعودي جمال الخاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، ليرفع أسهمه كمدافع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة، انتهى إلى مساومات سياسية ومصالح تجارية مع الرياض، أطاحت برأس المال المعنوي الذي كان قد بناه في البداية.

هاتان المحطتان تكشفان أن أردوغان لم يُحسن توظيف الأزمات الكبرى التي مرّت في محيطه، بل تحوّل إلى متلقٍّ لتبعاتها أكثر منه صانعًا لتوازنات جديدة.

غزة والرهان الخاسر

اليوم، وبعد مرور أكثر من 690 يومًا على اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة “حماس” في غزة، يكتفي أردوغان بخطابات عاطفية يملأها الغضب والشتائم، في وقت تتوالى الأرقام الصادمة: عشرات آلاف الشهداء والجرحى، مجازر بحق المدنيين، وارتفاع ضحايا الجوع وسوء التغذية إلى المئات بينهم عشرات الأطفال. ومع ذلك، لم تنجح تركيا في تحويل غضبها المعلن إلى مبادرات دبلوماسية أو أوراق ضغط ملموسة، تاركة المجال مفتوحًا أمام لاعبين آخرين مثل مصر وقطر وإيران.

بين العاطفة والحسابات الصلبة

ربما يجادل البعض بأن خطاب أردوغان يعكس وجدان الشارع الإسلامي الغاضب من مأساة غزة. لكن في السياسة الدولية، لا تكفي العاطفة وحدها، ولا تعوّض مكان غياب الأدوات الصلبة: النفوذ الاقتصادي، والتحالفات المتينة، والقدرة على التأثير في المعادلات الأمنية. وهنا تكمن معضلة أردوغان: فهو يتصرّف كأنه زعيم شارع، فيما يتطلّب المشهد الدولي رجل دولة قادرًا على استثمار المآسي الإنسانية في إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

ولعل المأساة الكبرى تكمن في أنّ صخب الخطابات لا يوقف آلة الحرب، وأن تكرار الشعارات لا يخفّف من وجع الأمهات اللواتي يودّعن أبناءهن تحت الركام. وفي النهاية، يبدو أن أردوغان، الذي ظنّ نفسه لاعبًا لا يُستغنى عنه، بات اليوم مجرّد متفرّج على مسرح لا يملك فيه سوى الصوت العالي.

سيرينا جمال دملج – تمثل سيرينا الضمير الحيّ لجيلٍ يحاول بناء السلام الداخلي وسط عالم مضطرب. نصوصها تتراوح بين التأمل والاعتراف والحنين، وتكتب في ضمير المتكلّم عن الخسارات الصغيرة التي تهدد إنسانيتنا، والأمل الذي يبقى رغم كل شيء.

Leave a comment