بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
لم يكن مشهد انسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” من جلسة مجلس الوزراء اللبناني مجرّد حدث عابر في سياق يوميات السياسة اللبنانية المثقلة بالتجاذبات. بل بدا كأنّه إعادة فتح لدفترٍ قديم عنوانه: هل يمكن للبنان أن يحيا كدولةٍ واحدة ذات سيادة، ما دام هناك حزبٌ يحتكر قرار الحرب والسلم؟
لقد بدا النقاش حول “حصر السلاح” بيد الدولة هذه المرّة مختلفًا؛ ليس فقط لأن قائد الجيش اللبناني حضر الجلسة ليعرض خطة تنفيذية، بل لأن مجلس الوزراء تبنّى هذه الخطة رسميًا، واضعًا نفسه في مواجهة مباشرة مع حزب الله. وهنا، يعود السؤال: هل تغيّر شيء في معادلة الداخل والخارج، أم أنّها مجرّد حلقة جديدة في مسلسل المراوحة؟
ذاكرة الحرب واتفاق وقف النار
منذ أن فُرض اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أميركية أواخر نوفمبر الماضي، بدا واضحًا أنّ لبنان يخطو إلى مرحلة سياسية جديدة. فقد نص الاتفاق بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة، في خطوة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني الحديث. ومع ذلك، رفض حزب الله القرار، واعتبره “خطيئة كبرى”، متعهّدًا بالتعامل معه كأنّه غير موجود.
من هنا، يمكن القول إنّ المواجهة بين “الدولة” و”الحزب” لم تعد مجرّد جدل سياسي داخلي، بل باتت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بموازين القوى الإقليمية والدولية، حيث تلعب إسرائيل دورًا مباشرًا في التصعيد عبر غاراتها اليومية، فيما يُفترض أن تكون سوريا أيضًا طرفًا حاضرًا في أي تفاهمات.
الميثاقية كذريعة… أم كقيد؟
الانسحاب من الجلسة جرى تبريره بعبارة “القرار غير ميثاقي”. وهذه ليست المرّة الأولى التي تُستخدم فيها “الميثاقية” كذريعة لتجميد أي قرارٍ لا يوافق هوى طرفٍ محدّد. لكنّها المرّة الأولى التي يتقاطع فيها هذا التبرير مع لحظة سياسية مفصلية: فإما أن يُحصر السلاح بيد الدولة، أو يبقى لبنان معلّقًا بين كيانٍ معترف به دوليًا، ودويلةٍ قائمة في قلبه.
إنّها ازدواجية خطيرة، تعيد إنتاج سؤال الكيان اللبناني: هل نحن أمام دولةٍ لجميع مواطنيها، أم أمام وطنٍ مرتهنٍ لميزان القوى العسكرية غير الشرعية على الأرض؟
الجيش بين الطموح والقيود
الخطة التي عرضها قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، ورحّب بها مجلس الوزراء، تبدو طموحة على الورق: جمع السلاح غير الشرعي، وإنهاء الوجود المسلّح خارج المؤسسات. لكن التنفيذ يصطدم بعقبات متعدّدة: محدودية إمكانات الجيش، استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ورفض حزب الله لأي مسّ بسلاحه.
وربما الأهم أنّ تنفيذ هذه الخطة مشروط بمدى التزام إسرائيل وسوريا بالاتفاق، ما يعني أنّ الجيش اللبناني وُضع في موقعٍ شديد الحساسية: بين الطموح المشروع للدولة، والقيود الواقعية التي تفرضها الجغرافيا والسياسة.
الحزب وسؤال الشرعية
لستُ أرى في موقف حزب الله الأخير مجرّد “انسحابٍ من جلسة”. بل هو إعلانٌ صريح بأنّ الحزب يرفض أيّ مقاربةٍ تعيد النقاش إلى المربّع الأول: هل يمكن للبنان أن يعيش بلا سلاح “المقاومة”؟
الحزب يدرك أنّ سلاحه لم يعد مرتبطًا فقط بالصراع مع إسرائيل، بل صار جزءًا من منظومة إقليمية أشمل، كانت تمتد من طهران إلى بيروت مرورًا بدمشق وبغداد وصنعاء. لذلك، فإنّ أي محاولة لبنانية لحصر السلاح بالدولة تُقرأ في طهران على أنّها محاولة لإضعاف أوراق التفاوض مع واشنطن وتل أبيب.
أية حالٍ عُدتَ يا حزب؟
قد يسأل اللبناني نفسه اليوم: حزب الله… بأية حالٍ عدتَ؟ هل عدتَ لتأكيد تمسّكك بخيار السلاح إلى ما لا نهاية، حتى لو انهارت الدولة من حولك؟ أم أنّك ستجد في هذه اللحظة التاريخية فرصةً لمراجعة الذات، والبحث عن صيغة شراكةٍ وطنية حقيقية؟
إنّ الزمن تغيّر. فالمعادلات التي بُني عليها وهج “المقاومة” في ثمانينيات القرن الماضي لم تعد قابلة للحياة في ظل الانهيار الاقتصادي، والتصدّع الاجتماعي، والانكشاف الأمني أمام إسرائيل. لبنان لم يعد يحتمل ازدواجية “الدولة – الحزب”، ولا يحتمل رفاهية الوقت في انتظار تسوياتٍ إقليمية قد لا تأتي.
ككاتبةٍ أتابع هذا المشهد من بعيد، وأحيانًا من قريب، يؤلمني أن أرى لبنان عالقًا في الدوامة نفسها التي أنهكته طوال عقود. أؤمن أنّ التاريخ لا يرحم المراوحة، وأنّ الأوطان التي تتردّد في حسم خياراتها تضيع بين الأرصفة. فهل يتّسع قلب الحزب لمراجعةٍ صادقة؟ أم أنّه سيظلّ يلوذ بالماضي، غير مدرك أنّ الحاضر ينهار من حوله؟
سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية. تكتب في ضمير المتكلّم نصوصًا تحليلية تستند إلى خلفيتها الأكاديمية، دون أن تفقد بعدها الإنساني.

Leave a comment