دروز السويداء بين مطلب “حق مقدّس” ورسائل حسن النوايا: ارتباك الطائفة أمام ظلّ الجولاني

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

في خضمّ الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء خلال يوليو الماضي، بدأت الأصوات تتعالى داخل الطائفة الدرزية لتحدّد مسارات متباينة في العلاقة مع دمشق. ففي الوقت الذي شدّد فيه الشيخ حكمت الهجري، المرجعية الروحية العليا لدروز سوريا، على أنّ حق تقرير المصير “حق مقدّس” لن يتراجع عنه مهما كانت التضحيات، خرج الشيخ موفق طريف، المرجع الديني الأعلى لدروز إسرائيل، بموقف بدا مناقضًا، دعا فيه النظام السوري إلى إظهار نوايا حسنة تجاه أبناء الجبل لاستعادة الثقة، مؤكّدًا أن الدروز يستحقّون حقوقهم في إطار الدولة السورية.

هذا التباين بين طريف والهجري يسلّط الضوء على انقسام متنامٍ داخل الطائفة حيال مستقبل السويداء: هل تبقى جزءًا من سوريا تحت حكم الرئيس أحمد الشرع (الجولاني سابقًا)؟ أم أنّ خيار الانفصال والتوجّه نحو إدارة ذاتية صار أقرب إلى الحتمية؟

“حق مقدّس” وحدود الممكن

خطاب الهجري الأخير لم يقف عند حدود المطالبة السياسية، بل ذهب أبعد حين وجّه شكرًا علنيًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فضلًا عن الأكراد والعلويين والدول الأوروبية. بدا وكأنّه ينسج شبكة تحالفات رمزية تتجاوز الحدود السورية، في محاولة لتأمين مظلّة حماية للطائفة في مواجهة ما سمّاه “الحصار الممنهج” و”طمس الجرائم”.

في المقابل، ظلّ خطاب طريف أكثر براغماتية، وكأنّه يحاول تذكير الدروز في السويداء بأنّ المطالبة بالانفصال قد تحمل في طياتها مغامرة وجودية، خصوصًا في ظلّ هشاشة التوازنات السورية، وتعقيدات الدورين الروسي والإيراني، وتداخل الحسابات الإسرائيلية والأميركية.

ظلّ الجولاني يطارد الشرع

لكن الانقسام الدرزي لا يمكن فهمه بمعزل عن ضبابية شخصية الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع. فالرجل الذي كان حتى الأمس القريب يُعرَف باسم “أبو محمد الجولاني”، زعيم “جبهة النصرة” وأحد أبرز رموز الجهادية العالمية، يواجه اليوم اختبارًا بالغ الصعوبة: كيف يمكن له أن يقنع المكوّنات السورية، وفي مقدّمتها الدروز والعلويون، بأنّه تجاوز ماضيه الدموي؟

الذاكرة الجماعية في الساحل السوري ما زالت تحتفظ بمشاهد المجازر التي ارتكبها مقاتلو “النصرة” وحلفاؤهم من الإيغور والشيشان ضدّ قرى علوية. والذاكرة الدرزية بدورها لا تزال تنزف من أثر الهجمات التي استهدفت بلدات جنوبية، والتي ارتكبها المقاتلون أنفسهم باسم “الثورة” و”الشرع الجهادي”. من هنا، فإنّ خطاب “التسامح” أو “الحقوق” الذي يحاول الشرع تبنّيه اليوم يبدو متعثّرًا أمام ثقل الماضي الذي لم يُحسَم بعد.

مسؤولية الجماعات المتطرّفة

التاريخ لا يمكن شطبه بجرّة قلم. فالجماعات المتطرّفة التي رافقت الجولاني في مسيرته، بدءًا من الفصائل الشيشانية وصولًا إلى الإيغور، تركت بصمات دامية في الوعي السوري، لا سيما عند الأقليات. هؤلاء لم يكونوا مجرّد مقاتلين عابرين، بل كانوا جزءًا من مشروع إقليمي ودولي لاقتلاع الأقليات من جذورها، وإعادة صياغة سوريا على أسس طائفية متشدّدة.

اليوم، يجد الشرع نفسه مضطرًا لأن يواجه إرثهم: هل يتبنّى مسؤولية سياسية وأخلاقية عن تلك المرحلة؟ أم يواصل التبرّؤ منها باعتبارها “ضرورة الحرب” أو “خطأ الماضي”؟ الدروز، بما يمثّلونه من ثقل رمزي وتاريخي في الجغرافيا السورية، سيكونون أوّل من يطالب بجواب شفاف.

دروس من الحالة الكردية

لعلّ المقارنة مع المسألة الكردية تساعد في فهم تعقيدات الموقف الدرزي اليوم. فالأكراد في العراق بعد عام 2003 استثمروا الفراغ السياسي لبناء إقليم كردستان شبه المستقل، معتمدين على شبكة تحالفات أميركية وإسرائيلية. ورغم النجاحات الاقتصادية والسياسية، ظلّ الإقليم رهينة الهواجس الإقليمية (التركية والإيرانية خصوصًا) التي كبحت جماح حلم الدولة الكردية المستقلة.

أما أكراد سوريا بعد 2011، فقد نجحوا في فرض إدارة ذاتية في شمال شرق البلاد، لكنهم بقوا تحت رحمة تفاهمات القوى الكبرى، ما جعل مشروعهم هشًّا وقابلًا للتراجع عند أول تبدّل في موازين القوى.

في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الدروز في السويداء يواجهون معضلة مشابهة: التطلّع إلى الانفصال أو الحكم الذاتي قد يبدو مغريًا في لحظة انهيار الدولة المركزية، لكنه قد يتحوّل إلى فخّ وجودي إذا لم يكن مدعومًا بتسوية إقليمية ودولية صلبة.

الموارنة وتجربة “المارونية السياسية”

تجربة الموارنة في لبنان تُقدّم مثالًا ثالثًا يستحق التوقّف عنده. ففي مطلع الحرب الأهلية (1975–1990)، وُجدت الطائفة المارونية أمام خيار مصيري: إما المضي في مشروع “الكيان الخاص”، أو الدفاع عن لبنان بحدوده الكاملة. هنا برزت “المارونية السياسية” كإطار حمل مشروعًا وطنيًا لبنانيًا، بقدر ما سعى لحماية الوجود الماروني. لقد تمسّكت هذه المارونية بفكرة الكيان اللبناني المستقل، خلافًا لـ”السنية السياسية” التي ارتبطت بالمدّ العروبي والهوية الجامعة تحت مظلّة دمشق أو القاهرة، وخلافًا لـ”الشيعية السياسية” التي تحوّلت، منذ الثمانينيات، إلى امتداد عضوي لمشروع “ولاية الفقيه” الإيراني.

هذا التمايز بين المكونات الثلاثة شكّل معادلة دقيقة في لبنان: الموارنة سعوا إلى وطن، السنة إلى عروبة، والشيعة إلى محور عابر للحدود. واليوم، يواجه الدروز في السويداء سؤالًا مشابهًا: هل يمكنهم، مثل الموارنة، أن يصوغوا مشروعًا وطنيًا سوريًا جامعًا، أم أنّهم سينزلقون إلى لعبة المحاور التي قد تفقدهم روحهم ودورهم التاريخي؟

بين البقاء والانفصال

من هنا تتكثّف المعضلة: السويداء محاصرة بين خطابين، أحدهما يلوّح بالانفصال ويستحضر المجتمع الدولي، والآخر يدعو إلى البقاء ضمن الدولة السورية بشرط ضمان الحقوق. وفي قلب هذه المعضلة يقف الرئيس أحمد الشرع، الذي لم يستطع بعد أن يقنع السوريين بأنّه بات رجل دولة، لا زعيمًا جهاديًا سابقًا يتوارى خلف خطاب جديد.

قد يكون الدروز، في هذه اللحظة المفصلية، مرآة لحالة سوريا كلّها: انقسام بين ماضٍ دمويّ لم ينتهِ بعد، وحاضرٍ يفتّش عن صيغة تعايش هشّة، ومستقبلٍ يتأرجح بين حلم الانفصال وضرورات البقاء. لكن أبعد من السياسة المباشرة، تطرح المسألة سؤالًا وجوديًا: هل تستطيع الأقليات في المشرق أن تتحمّل مسؤولية تاريخية في بناء الدول، بدل أن تظلّ عالقة في هاجس الخوف من الذوبان أو الاجتثاث؟

لقد علّمتنا التجارب أنّ الأقليات ليست مجرد “أعداد صغيرة” في المعادلة، بل هي التي تختبر حقيقة العقد الاجتماعي، وتُظهر ما إذا كانت الدولة قادرة على استيعاب التنوّع أو محكومة بالانهيار. الموارنة في لبنان، والأكراد في العراق وسوريا، والدروز اليوم في السويداء، جميعهم يواجهون السؤال ذاته: كيف يمكن أن يتحوّل الوجود المختلف من عبء إلى فرصة، من مصدر نزاع إلى قاعدة وطن جامع؟

الجواب لم يولد بعد، لكن المؤكد أنّ مستقبل المشرق لن يُبنى إلا على إدراك هذه المسؤولية المشتركة، وأنّ التاريخ سيبقى قاسيًا مع كلّ من يتهرّب منها.

سيرينا جمال دملج – صحفية تمثل الضمير الحيّ لجيلٍ يحاول بناء السلام الداخلي وسط عالم مضطرب. نصوصها تتراوح بين التأمل والاعتراف والحنين، وتكتب في ضمير المتكلّم عن الخسارات الصغيرة التي تهدد إنسانيتنا، والأمل الذي يبقى رغم كل شيء.

Leave a comment