بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
كثيرون يقولون إنّ يوروفيجن ليس ساحةً للسياسة، بل احتفالًا بالموسيقى والاختلاف والتنوّع. غير أنّ الدّماء حين تسيل، والصرخات حين تتردّد من غزّة إلى عواصم أوروبا، يغدو من الصعب على أيّ مسابقة غنائيّة أن تتجاهل وقع المأساة. هكذا وجدت أيرلندا نفسها في قلب جدلٍ محتدم: هل يُمكنها أن تغنّي بينما تُطفأ الأرواح تحت الركام؟
تهديد بالمقاطعة
هيئة الإذاعة الأيرلنديّة RTÉ أعلنت بوضوح أنّ مشاركتها في يوروفيجن 2026 مشروطة: إذا سُمِح لإسرائيل بالمنافسة، فإنّ أيرلندا ستنسحب. لم يكن الموقف معزولًا، إذ سبقتها إسبانيا وآيسلندا وسلوفينيا في إصدار تحذيرات مماثلة، احتجاجًا على ما وصفته بـ”الخسائر المروّعة في الأرواح بغزّة” و”استهداف الصحافيين ومنع الإعلام الدولي من دخول القطاع”.
لكن في المقابل، برزت أصوات مغايرة: ألمانيا وإيطاليا هدّدتا بالانسحاب في حال تمّ استبعاد إسرائيل، بحجّة أنّ الاتحاد الأوروبي للبثّ (EBU) لا يملك أساسًا قانونيًّا قويًّا لاتخاذ هذا القرار. وهنا بدا أنّ الموسيقى تحوّلت من لغةٍ عالميّة للتلاقي إلى ميدان صراعٍ ديبلوماسيّ.
بين ذاكرة الانتصارات وظلال المأساة
أيرلندا ليست دولة عابرة في سجل يوروفيجن؛ لقد حصدت سبع مرّات اللقب، ما يضعها على قدم المساواة مع السويد. لكنّها اليوم تُدرك أنّ المجد الفنّي لا يوازي في وزنه صرخة طفلٍ يختنق تحت الركام. حين أعلنت أيرلندا اعترافها الرسمي بفلسطين العام الماضي، أثبتت أنّها واحدة من أكثر الدول الأوروبيّة اقترابًا من وجع الشرق الأوسط، وهو ما يفسّر حساسيّتها العالية تجاه استمرار مشاركة إسرائيل في هذه المسابقة.
موقف متصدّع في أوروبا
وزير الثقافة الإسباني إرنست أورتاسون ذهب أبعد من ذلك، مطالبًا صراحةً بمنع إسرائيل ومحطّتها الرسميّة KAN من المشاركة، قائلاً: “لا يمكننا أن نُطبّع مشاركة إسرائيل في أحداث دوليّة وكأنّ شيئًا لا يحدث”. وقد ذكّر كثيرون بالمعيار المزدوج حين أُقصيت روسيا فورًا من يوروفيجن بعد غزوها أوكرانيا، فيما يُستعصى اتخاذ قرار مشابه حيال إسرائيل.
لكنّ الأصوات المعارضة تُذكّر بأنّ إيطاليا وألمانيا هما من أبرز المموّلين للمسابقة، وأنّ خروجهما قد يُهدّد المسابقة نفسها. لتبقى EBU أمام معضلةٍ حقيقيّة: أيهما أثقل كفّةً، القيم الأخلاقيّة أم المصالح المادّية؟
حين تقتحم السياسة المسرح
المسابقة التي طالما تباهت بأنّها غير سياسيّة وجدت نفسها أكثر من مرّة في مواجهة غضب الشارع. فقد تعرّضت مشاركة المغنّية الإسرائيليّة يوفال رافائيل لاحتجاجات واسعة، وواجهت اتّهامات بتلاعب في التصويت بعد فوزها الكاسح في تصويت الجمهور. أكثر من 70 فنّانًا سبق لهم خوض المسابقة وجّهوا رسالة مفتوحة مطالبين بمنع إسرائيل.
المفارقة أنّ إسرائيل، مثل أستراليا، ليست دولةً أوروبيّة، لكنّها عضو في EBU منذ العام 1957، وفازت أربع مرّات باللقب. ورغم هذا التاريخ، بات السؤال الأشدّ إلحاحًا: هل يجوز للفن أن يظلّ منفصلًا عن الدماء؟
صدى الضمير
ككاتبة، أجد نفسي ممزّقة بين حُبّي لفكرة أن يجتمع الفنّانون على مسرح واحد ليغنّوا للحبّ والسلام، وبين إدراكي العميق أنّ الصمت في وجه المأساة ليس حيادًا بل تواطؤ. ربّما كان صعبًا على كثيرين أن يُطالبوا بإقصاء بلدٍ كامل، لكنّ الأصعب هو أن نُواصل الرقص بينما الأطفال يُدفنون تحت الأنقاض.
أيرلندا هنا لا تُعلن حربًا، بل تُرسل صرخة ضمير. قد لا تغيّر المقاطعة وجه التاريخ، لكنّها تذكيرٌ بأنّ الموسيقى بلا إنسانيّة تصبح نشازًا.
إميلي غرينوود – صحفية بريطانية وباحثة في شؤون السلام العالمي، حاصلة على درجات علمية في الفلسفة السياسية من جامعتي كامبريدج وأكسفورد. عملت في برامج دولية للمصالحة المجتمعية وفض النزاعات، وساهمت في تغطية ملفات حساسة من أفريقيا إلى أوروبا الشرقية. تكتب في ضمير المتكلّم مقالات وجدانية عن الكلفة الخفية للحروب، والسبل الممكنة لبلسمة المجتمعات الممزقة.

Leave a comment