هل يحاول حزب “فرنسا الأبية” إسكات كتاب يكشف روابطه مع الإسلاميين؟

بقلم: نيكول دوبريه

سلامُنا بوست

قبل أن يرى النور، أثار كتاب الصحفي الفرنسي-السوري عمر يوسف سليمان “شركاء الشر” عاصفة سياسية وإعلامية في باريس. ففي وقتٍ لم تُطبع فيه الصفحات بعد، تحرك حزب فرنسا الأبية، بقيادة جان لوك ميلانشون، ملوّحًا بدعاوى قضائية ضد دار النشر “بلون”، بحجة أنّ المؤلف يسيء إلى سمعة الحزب من خلال الحديث عن روابط مفترضة لبعض مرشحيه مع مشاريع إسلامية تسعى إلى فرض معايير اجتماعية جديدة متوافقة مع الشريعة.

لكن المفارقة التي تكشفها صحيفة لوبوان تكمن في أن أحدًا من داخل الحزب لم يقرأ الكتاب بعد، فيما تصف الصحيفة نصّه بأنه “متوازن ومبني على الحجج”، إلى درجة يصعب الطعن فيه قضائيًا. هنا، تبدو محاولة المنع استباقية أكثر مما هي دفاعية، وكأن الحزب يخشى انعكاسات ما قد يخرج إلى العلن أكثر من خوفه من الافتراء أو التشويه.

حدود الحرية وحدود الرقابة

أصرّ رئيس دار النشر “بلون”، جان-لوك باري، على رفضه الامتثال للإنذار القانوني الصادر عن الحزب، مؤكّدًا أنه لن يؤجّل الإصدار المقرر في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2025. وجاء تصريحه بمثابة رسالة قاطعة: “لن نستسلم للرقابة أو الضغوط السياسية، وإلا لن يكون هناك أي حرية في التعبير”.

هنا، لا يعود الجدل مقتصرًا على حزب بعينه أو كتاب محدد، بل يتصل بمسألة أوسع: إلى أي مدى تستطيع الديمقراطية الفرنسية، التي تفخر بتاريخها في الدفاع عن حرية الكلمة، أن تتحمل مواجهة حساسيات سياسية مرتبطة بالإسلاميين دون الانزلاق إلى الرقابة؟

سيرة مؤلف مثيرة للجدل

لا يقلّ عمر يوسف سليمان إثارةً للجدل عن كتابه الجديد. فقد غادر سوريا عام 2012 هربًا من الملاحقة الأمنية بسبب نشاطه الصحفي ضد نظام بشار الأسد. وفي كتابه السابق “الإرهابي الصغير”، فتح صفحات حياته المبكرة حين عاش في المملكة العربية السعودية، حيث كان محيطه يُعجب بأسامة بن لادن ويعتبره بطلًا، بل وكان هو نفسه يحلم بالقتال في أفغانستان. غير أنّ قراءته لأعمال طه حسين وشِعر ما قبل الإسلام بدّلت مسار حياته، فانتقل من الانبهار بالتطرف إلى النقد الجريء للنصوص والتراث.

اليوم، يبدو سليمان كمن يحاول إعادة قراءة تجربة الانجذاب إلى الإسلام السياسي لكن عبر مرآة الواقع الفرنسي، حيث يزعم أنه “تسلّل” إلى اجتماعات ومظاهرات لحزب فرنسا الأبية ضمن تحقيقاته التي شكّلت مادة كتابه.

فرنسا بين الإسلام السياسي واليسار الشعبوي

السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه: هل يعكس الكتاب مجرد مواجهة شخصية بين كاتب سوري المنشأ وحزب فرنسي يساري، أم أنه يسلّط الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بحدود التلاقي بين الإسلاميين وبعض التيارات الشعبوية اليسارية في أوروبا؟

في السنوات الأخيرة، لم يَخْفَ على المراقبين أنّ ثمة تقاطعًا موضوعيًا بين الخطاب “التحرري” لليسار الراديكالي وبين خطاب بعض الجماعات الإسلامية التي ترفع لواء “مناهضة الإسلاموفوبيا”. هذا التقاطع، وإن بدا في ظاهره دفاعًا عن الأقليات، قد يتحوّل في العمق إلى شراكة مريبة تؤسس لمساحات من التواطؤ السياسي والثقافي، على حساب قيم الجمهورية الفرنسية التي تقوم على اللائكية والمساواة المطلقة أمام القانون.

الضربة الارتدادية على ميلانشون وحزبه

لا شك أنّ حزب فرنسا الأبية سيجد نفسه محاصرًا في النقاش العام، سواء صدر الكتاب أم لم يصدر. فإذا كان النص “متوازنًا”، كما تقول لوبوان، فإنّ أي محاولة للمنع ستنعكس على الحزب كمن يحاول إخفاء علاقة ما يخشى الاعتراف بها. أما إذا احتوى الكتاب على ثغرات أو مبالغات، فإنّ القضاء هو السبيل الطبيعي لمعالجتها، لا التهديد المسبق.

إنّ خطورة الموقف تكمن في أنّ الحزب، بمجرد اندفاعه نحو الرقابة الاستباقية، قدّم لمعارضيه هدية مجانية سترافقه طويلًا في الحملات الانتخابية المقبلة.

خاتمة مفتوحة على احتمالات كثيرة

في زاوية كهذه، أفضّل أن أترك الحكم الأخير للقارئ: هل نحن أمام واقعة عابرة من سوء التقدير السياسي، أم أمام نموذج جديد لما يمكن أن يُسمى بـ”تحالفات الظل” بين قوى لا يجمعها سوى تقاطع مصالح ظرفي؟

الكتاب سيصدر قريبًا، والجدل لن يهدأ قريبًا، لكن المؤكد أنّ فرنسا، بما تمثله من رمز للحرية والفكر النقدي، لا يمكن أن تتحمّل عودة شبح الرقابة تحت أي ذريعة.

وأعترف، من موقعي كصحافية فرنسية، أنّ قلقي ليس فقط على كتابٍ قد يُمنع أو على حزبٍ قد يتأثر، بل على جوهر الفكرة التي كوّنت هويتي: الجمهورية التي لا تساوم على حريتها. في هذه اللحظة، أجد نفسي أتمسّك أكثر من أي وقت مضى بذلك الإيمان البسيط والعميق في آن: أنّ حرية التعبير ليست رفاهية نُدافع عنها عندما تسمح الظروف، بل هي الهواء الذي نتنفسه جميعًا… وإذا خنقناه اليوم، فلن نجد غدًا ما يُنعشنا.

نيكول دوبريه – صحفية فرنسية مقيمة في لندن، متخصصة في تغطية النزاعات العابرة للحدود وقضايا التعددية الثقافية. عملت مراسلة ميدانية في الساحل الأفريقي، والشرق الأوسط، ومناطق ما بعد الاستعمار، وهي تسعى في كتاباتها إلى تسليط الضوء على قصص الأمل والصمود في وجه العنف والانقسام. ترى في الصحافة أداةً نبيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية وتعزيز ثقافة الحوار.

Leave a comment