ترامب في بريطانيا: بين رمزية التقاليد وضغوط الواقع السياسي

بقلم: أورسولا كروغر

سلامُنا بوست

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بريطانيا في زيارة دولة ثانية، محمّلة بالدلالات السياسية والاقتصادية في آن. فالعالم يشهد اليوم إعادة تشكيل لتحالفاته الكبرى، ولندن تحاول استعادة مكانتها كجسرٍ بين الضفتين الأطلسيتين. رئيس الوزراء كير ستارمر يرى في هذه اللحظة فرصة لإعادة صياغة “العلاقة الخاصة” مع واشنطن، آملًا أن تُثمر عن استثمارات تُقدّر بأكثر من عشرة مليارات دولار، وعن مظلة سياسية تحمي حكومته من عثرات الداخل.

استعراض المراسم الملكية وأعباء السياسة الواقعية

في قلعة وندسور، سيستقبل الملك تشارلز ترامب ضمن مراسم فخمة: استعراض عسكري، جولة بالعربة، مأدبة رسمية، وتحايا مدفعية. لكن خلف البروتوكول الصارم تختبئ قضايا أثقل بكثير: مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك قبل أيام، وما تركه من أثر على الرئيس الأميركي؛ إقالات متتالية في صفوف حكومة ستارمر بسبب فضائح تطال شخصيات بارزة مثل بيتر ماندلسون؛ وتصاعد التوترات الداخلية في بريطانيا مع صعود نايجل فاراج واليمين المتطرف. كل ذلك يجعل من الزيارة اختبارًا سياسيًا بقدر ما هي احتفال دبلوماسي.

الاقتصاد كجسرٍ للتقارب عبر الأطلسي

الشق الاقتصادي يتصدّر جدول الأعمال: فرق عمل مشتركة بين وزارتي المالية، استثمارات كبرى من شركات التكنولوجيا، بينها إعلان غوغل عن مشروع بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني لبناء مركز بيانات جديد قرب لندن. حضور شخصيات مثل جنسن هوانغ (إنفيديا) وسام ألتمان (أوبن إيه آي) يعكس رهان لندن على أن تكون شريكًا رئيسيًا في سباق الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، مستفيدة من تدفق رأس المال الأميركي في مرحلة انتقالية حساسة.

الملفات الخارجية بين أوكرانيا وغزة

الخميس سيجمع ستارمر وترامب في مقر “تشيكرز” الريفي، حيث سيتناولان قضايا استراتيجية كبرى: الرسوم الجمركية على الفولاذ والألمنيوم، الحرب الروسية على أوكرانيا، والوضع المتأزم في غزة. مشاركة وفود كبيرة من الجانبين، وحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر، يؤكدان أن المحادثات تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى بحث ملفات ساخنة ترسم ملامح التوازنات العالمية المقبلة.

لحظة حاسمة في علاقة مضطربة

من زاويتي كمتابعة أوروبية، أرى أنّ الزيارة تحمل رمزية تاريخية، لكنها أيضًا محفوفة بالهواجس. فستارمر يحتاج إلى هذه الشراكة لتعزيز صورته السياسية في الداخل، بينما ترامب يسعى لتكريس موقعه على المسرح الدولي وسط تحديات داخلية قاسية. بين الاحتفالات الملكية ومذكرات الاستثمار، يبقى السؤال الأعمق: هل تستطيع بريطانيا أن تجد لنفسها موقعًا جديدًا في عالم يتغيّر بسرعة، أم أنّها ستظلّ أسيرة أعباء الماضي وضغوط الحاضر؟

أورسولا كروغر – صحفية ألمانية مستقلة وباحثة في شؤون العدالة الانتقالية، تقيم في برلين وتكتب في سلامُنا بوست عن تجارب بناء السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية في العالم. عملت مراسلة ميدانية لعدة مؤسسات إعلامية ألمانية، وشاركت في تغطية ملفات حسّاسة تتعلّق بمخلفات الحروب، وقضايا اللجوء، والذاكرة الجماعية. تؤمن بأنّ السلام الحقيقي يبدأ من صراحة الاعتراف، وعمق الإصغاء.

Leave a comment