بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
لم تكن صور بيلا حديد الأخيرة على “إنستغرام” مجرّد لقطات عابرة من حياة عارضة أزياء عالمية، بل كانت بمثابة اعتراف صريح بمعركة طويلة مع مرض لايم. ظهرت ابنة الثمانية والعشرين عامًا على سرير المستشفى موصولة بجهاز للتغذية الوريدية، بين ضمادات على جبهتها وابتسامات متقطّعة تحاول أن تُخفي خلفها وجعًا دفينًا.
كتبت لمتابعيها وهي تحتمي بالصدق: “أنا آسفة لأنني دائمًا ما أختفي… أحبكم يا رفاقي”. كلمات تختصر رحلة امتدت خمسة عشر عامًا من المعاناة الصامتة.
معركة لايم… بين الإخفاء والبوح
بيلا، التي سبق أن تحدّثت عام 2023 عن علاجها في المستشفى، لم تُخفِ أن المرض أنهكها. وصفت إحساسها قائلة: “أن أكون حزينة ومريضة بهذا الشكل ومع كل هذه النعم والفرص والحب من حولي كان على الأرجح أكثر شيء محيّر على الإطلاق”.
لم تكن وحيدة في هذه المواجهة؛ والدتها يولاندا وشقيقها أنور شُخِّصا بالمرض ذاته عام 2012، فيما تعهّدت الأم أمام العالم بألّا تسمح لأولادها بأن يعيشوا حياة من الألم والمعاناة.
المرض الذي لا يرحم
مرض لايم، وهو عدوى بكتيرية تنتقل عبر لدغات القراد الحامل لبكتيريا Borrelia، قد يبدأ بطفح جلدي وحمى وتعب، لكنه قد يتطوّر ليضرب المفاصل والجهاز العصبي والقلب. بعض المرضى يشفون بالمضادات الحيوية عند التشخيص المبكر، لكن كثيرين يعانون من مضاعفات مزمنة تلازمهم سنوات طويلة. بيلا واحدة من هؤلاء الذين اضطروا لتحويل نجاحهم إلى وقود لمواصلة الصمود.
صرخة تضامن
ربما اعتاد الجمهور أن يرى بيلا حديد أيقونة للموضة والجمال والنجاح، لكن صورها الأخيرة بدت أبعد من كونها لحظة شخصية؛ كانت بمثابة رسالة إنسانية مؤلمة تقول إن خلف الأضواء والأزياء هناك إنسانة تتألم.
إنها صرخة لكل من يظن أن الشهرة تحصّن من الوجع، وتذكير بأن الجسد لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين عارض أزياء ومريض عادي.
ومن موقعي ككاتبة تنظر إلى الشرق الأوسط بعين الباحثة وإلى العالم بعين الإنسانة، لا أملك سوى أن أبعث إلى بيلا حديد محبّة صافية ودعاءً بأن تستعيد عافيتها. وربما كان أجمل ما يمكن أن نستخلصه من قصتها أن النعم الحقيقية ليست في الأضواء أو الشهرة، بل في الصحة والقدرة على أن نحبّ الآخرين “من كوب ممتلئ”، كما قالت هي نفسها.
سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية. تكتب في ضمير المتكلّم نصوصًا تحليلية تستند إلى خلفيتها الأكاديمية، دون أن تفقد بعدها الإنساني.

Leave a comment