بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
كنتُ أراقب المشهد يوم السبت الفائت، وكأن لندن لم تعد تلك المدينة التي اعتدنا أن نتغنّى بتعدديتها. أكثر من مئة ألف شخص، معظمهم مدفوعون بخطاب اليمين المتطرف، تدفقوا إلى قلب العاصمة البريطانية في استعراض قوّة غير مسبوق. لم يكن الأمر مجرد مظاهرة، بل كان انفجارًا مكثفًا لكل التوترات التي تراكمت خلال صيف طويل ومشحون بالغضب ضد المهاجرين.
تومي روبنسون و”ثورة ثقافية” مزعومة
الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، الذي بنى شهرته على التحريض ضد المهاجرين، دعا إلى المسيرة تحت شعار “وحّدوا المملكة”. لم يكن الشعار بريئًا ولا جامعًا، بل كان قناعًا لمشروع إقصائي يريد إعادة رسم هوية بريطانيا على مقاس ضيق، خالٍ من التنوع. خطابه أمام أنصاره لم يخلُ من نبرة ثورية حين تحدث عن “شرارة ثورة ثقافية” في البلاد، وكأنه يسعى لتأجيج صدام مفتوح مع قيم المجتمع البريطاني المعاصر.
الشرطة بين المطرقة والسندان
شرطة العاصمة قدّرت الحشود بما يتجاوز 150 ألفًا، أي أكثر بكثير من تقديرات المنظمين أنفسهم. وسرعان ما تحولت شوارع لندن إلى ساحات اشتباك، إذ حاول متظاهرون اقتحام مناطق شهدت تظاهرات مضادّة لمناهضة العنصرية.
ألف شرطي انتشروا للفصل بين المجموعتين، لكن العنف كان سيد الموقف: ركل ولكم ورشق بزجاجات وأجسام صلبة. النتيجة: 26 إصابة في صفوف الشرطة، بينهم أربعة إصابات بالغة، و25 موقوفًا في حصيلة أولية.
حضور رمزي… وأعلام متناقضة
بين الأعلام الإنجليزية المرفوعة، لاحت أيضًا أعلام أميركية وإسرائيلية، وقبعات ترامب الحمراء الشهيرة التي حملها بعض المشاركين. بدا المشهد وكأنه خليط غريب من الولاءات العابرة للحدود. حتى إيلون ماسك لم يغب، إذ خاطب الحشود عبر فيديو يدعو فيه إلى تغيير الحكومة في بريطانيا، بذريعة الدفاع عن حرية التعبير.
وبينما لوّح البعض بلافتات كُتب عليها “أعيدوهم إلى بلادهم”، جاء آخرون بأطفالهم ليشهدوا لحظة “التاريخ المصطنع”، وكأن الرسالة يجب أن تنتقل إلى الجيل القادم بلا فلترة.
الانقسام السياسي وتعميق الهوة
اللافت أن حزب الإصلاح، الذي يتصدر استطلاعات الرأي في بريطانيا في الأشهر الأخيرة، آثر النأي بنفسه عن روبنسون، بالرغم من تقاطع الأجندات في رفض الهجرة. قد يكون ذلك محاولة لحفظ مسافة انتخابية، لكنه في الوقت ذاته يعكس هشاشة المشهد السياسي أمام قضية باتت تتسيّد المشهد العام: الهجرة.
لقد تجاوزت الهجرة، بكل تعقيداتها، هموم الاقتصاد البريطاني المتعثر. أكثر من 28 ألف مهاجر عبروا القنال الإنجليزي هذا العام وحده، وارتفعت طلبات اللجوء إلى مستويات قياسية. لم يعد الجدل محصورًا في غرف السياسة أو الصحافة، بل بات ينفجر في الشوارع ويجرّ خلفه عنفًا متصاعدًا.
إلى أين تمضي بريطانيا؟
بالنسبة لي، كان المشهد في لندن جرس إنذار عالٍ. لم تكن تلك مجرد مظاهرة عابرة، بل محطة مفصلية في رحلة التحوّلات التي تعصف ببريطانيا ما بعد “بريكست”. حين يتجرأ عشرات الآلاف على الاصطفاف خلف خطاب إقصائي ويترجمونه إلى عنف في الشوارع، فهذا يعني أن المسافة بين الديمقراطية والتطرف باتت أقصر مما كنا نتصور.
ولعل ما يؤلمني أكثر هو أنني وجدت نفسي غريبة في مدينة كنتُ أعتبرها بيتي الآمن. كنتُ أبحث بين الحشود عن ملامح لندن التي أحببتها، المدينة التي علّمتني أن التنوّع ليس تهديدًا بل ثراء، فلم أجدها. وجدت فقط وجوهًا غاضبة تلوّح بشعارات تنكر الآخر، وتصرخ في وجهي وكأنني دخيلة.
إنها لحظة حزينة، لحظة أدركتُ فيها أن حلم العيش المشترك الذي صاغ ملامح بريطانيا الحديثة مهدّد بالتآكل. ومع ذلك، أتمسك بخيط أمل صغير: أن صدى العقل والإنسانية لا يزال قادرًا على أن يعلو فوق ضجيج الغوغاء، إذا اخترنا أن نسمعه.
إميلي غرينوود – صحفية بريطانية وباحثة في شؤون السلام العالمي، حاصلة على درجات علمية في الفلسفة السياسية من جامعتي كامبريدج وأكسفورد. عملت في برامج دولية للمصالحة المجتمعية وفض النزاعات، وساهمت في تغطية ملفات حساسة من أفريقيا إلى أوروبا الشرقية. تكتب في ضمير المتكلّم مقالات وجدانية عن الكلفة الخفية للحروب، والسبل الممكنة لبلسمة المجتمعات الممزقة.

Leave a comment